shikh-img
رسالة الموقع
                            &n

ثابت بن قيس الأنصاري

سيد من سادات الخزرج المرموقين، جهير الصوت، إذا نطق تفوق على القائلين، وإذا خطب أسر السامعين.
أحد السابقين إلى الإسلام في يثرب.
ولما قدم الرسول إلى المدينة مهاجراً استقبله ثابت بن قيس في جماعة كبيرة من فرسان قومه أكرمَ استقبال، ورحب به أجمل ترحيب، وخطب بين يديه خطبة بليغة افتتحتها بحمد الله عز وجل والثناء عليه والصلاة والسلام على نبيه واختتمها بقوله:
" وإنا لنعاهدك - يا رسول الله -على أن نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا ونسائنا، فما لنا لقاء ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "الجنة".
فما كادت كلمة " الجنة "، تصافح آذان القوم حتى أشرقت وجوههم بالفرحة وزهت قسماتهم بالبهجة، وقالوا: رضينا يا رسول الله.
ومنذ ذلك اليوم جعل الرسول صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس خطيبه، فصار إذا جاءته وفود العرب لتفاخره أو تناظره بألسنة الفصحاء البلغاء من خطبائها، ندب لهم ثابت بن قيس لمصاولة الخطباء، كما كان حسان للشعراء.
ولقد كان مؤمناً عميق الإيمان نقياً صادق التقوى شديد الخشية من ربه، عظيم الحذر من كل ما يغضب الله.
فلقد رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم هلعاً جزعاً ترتعد فرائصه خوفاً وخشية فقال: "ما بك يا أبا محمد؟"، أخشى أن أكون هلكت يا رسول الله، "ولم" ، لقد نهانا الله عز وجل عن أن نحب أن نحمد بما لم نفعل وأجدني أحب الحمد {لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران:188].
ونهانا عن الخيلاء وأجدني أحب الزهو - الإعجاب بالنفس - {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان:18]
فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يهدي من روعه حتى قال: "يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة"، فأشرق وجه ثابت بعد البشرى وقال: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن لك ذلك".
ولما نزل قوله جل شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات:2].
تجنب ثابت مجالس رسول الله على الرغم من شدة حبه له، وفرط تعلقه به، ولزم بيته حتى لا يكاد يبرحه إلا لأداء المكتوبة.
فافتقده النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "من يأتني بخيره"، فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، وذهب إليه فوجده في منزله محزوناً منكساً رأسه، فقال: ما شأنك يا أبا محمد؟ قال: شر، وما ذاك؟ إنك تعرف أني رجل جهير الصوت، وأن صوتي كثيراً ما يعلو على صوت رسول الله وقد أنزل القرآن ما تعلم، وما أحسبني إلا قد حبط عملي وأنني من أهل النار، فرفع الرجل أمره إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبره بما رأى وسمع فقال: "اذهب إليه وقل له لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة".
فكانت هذه بشارة عظيمة لثابت ظل يرجو خيرها طوال حياته.
وقد شهد ثابت بن قيس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها سوى بدر، وأقحم نفسه في غمار المعارك طلباً للشهادة التي بشره بها النبي فكان يخطئها كل مرة.
إلى أن وقعت حروب الردة بين المسلمين ومسيلمة الكذاب على عهد الصديق.
وكان ثابت إذ ذاك أميراً لجند الأنصار .
ولقد رأى ثابت يوم ذاك من يضعضع المسلمين ما شحن قلبه أسى وكراً.
عند ذلك تحنط وتكفن ووقف على رؤوس الأشهاد وقال:
يا معشر المسلمين، ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بئس ما عودتم أعداءكم من الجرأة عليكم، وبئس ما عودتم أنفسكم من الانخذال لهم.
ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء من الشرك يعني مسيلمة وقومه، وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء يعني المسلمين.
ثم هب هبة السبع الضاري كتفاً لكتف مع الغر الميامين من المقاتلين الشجعان، وأبلى بلاء عظيماً ملأ قلوب المسلمين حمية وعزماً، وشحن أفئدة المشركين وَهَناً ورعباً.
وما زال يجالد في كل اتجاه، ويضارب بكل سلاح حتى أثخنته الجراح، فخر صريعاً على أرض المعركة قرير العين بما كتب الله له من الشهادة التي بشره بها حبيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكانت على ثابت درع نفيسة، أمر به رجل من المسلمين، فنزعها عنه وأخذها لنفسه.
وفي الليلة التالية لاستشهاده رآه رجل من المسلمين في منامه، فقال للرجل: أنا ثابت بن قيس فهل عرفتني؟ قال: نعم، فقال: أوصيك بوصية، فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعها.
إني لما قتلت بالأمس مر بي رجل من المسلمين صفته كذا وكذا، فأخذ درعي ومضى بها نحو خيمته في أقصى المعسكر من الجهة الفلانية، ووضعها تحت قدر له، فائت خالد بن الوليد وقل له: أن يبعث إلى الرجل من يأخذ الدرع منه فهي ما تزال في مكانها.
وأوصيك بأخرى، فإياك أن تقول هذا حلم نائم فتضيعها.
قل لخالد: إذا قدمت على خليفة رسول الله في المدينة فقل له: أن على ثابت من الدين كذا وكذا، وإن فلاناً وفلاناً من رقيقه عتيقان فليقض ديني وليحرر غلاميّ.
فاستيقظ الرجل، فأتى خالد بن الوليد فأخبره بما سمع وما رأى.
فبعث خالد من يحضر الدرع من عند آخذها فوجدها في مكانها وجاء بها كما هي.
ولما عاد خالد إلى المدينة حدث أبا بكر بخبر ثابت ووصيته فأجاز الصديق وصيته.
وما عرف أحد قبله ولا بعده أجيزت وصيته بعد موته سواه.
رضي الله عن ثابت وجعل في أعلى عليين مثواه.

عدد القراء : 80