shikh-img
رسالة الموقع
                            &n

الحِبَّ وابنُ الحِبَّ

التاريخ: 3/جمادى الأولى/1415هـ، 7/تشرين الأول/1994م.
لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يفرق بينهما في الحب، فكان يأخذ أسامة فيضعه على إحدى فخذيه ويأخذ الحسن فيضعه على فخذه الأخرى ثم يضعهما معاً إلى صدره ويقول: "اللهم إني أحِبُّهما فأَحِبَّهما".
وقد بلغ من حب الرسول لأسامة أنه عثر ذات مرةٍ بعتبةِ الباب فشجت جبهته وسال الدم من جرحه فأشار النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها أن تزيل الدم من جرحه فلم تطب نفسها لذلك، فقام إليه النبي وجعل يمص شجته، ويمج الدم وهو بطيب خاطره بكلمات تفيض عذوبة وحناناً.
وكما أحب الرسول أسامة في صغره أحبه في شبابه، فلقد أهدى حكيم بن حزَام أحدُ سَرَاة قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم حُلةً ثمينة شراها من اليمن بخمسين ديناراً ذهباً كانت (لذي يزن) أحد ملوكهم، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل هديته لأنه كان يومئذ مشركاً، وأخذها منه بالثمن، وقد لبسها النبي الكريم مرةً واحدةً في يوم جمعةٍ، ثم خلعها على أسامة بن زيد فكان يروح بها ويغدو بين أترابه من شبان المهاجرين والأنصار.
ولما بلغ أسامة بن زيد أشده بدا عليه من كريم الشمائل وجليل الخصائل مت يجعله جديراً بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي يوم أحد جاء أسامة بن زيد مع نفر من صبيان الصحابة يريدون الجهاد في سبيل الله، فأخذ الرسول منهم من أخذ، ورد منهم من رد لصغر أعمارهم، فكان في جملة المردودين أسامة بن زيد فتولى وعيناه الصغيرتان تفيضان من الدمع حزناً ألا يجاهد تحت راية رسول الله.
وفي غزوة الخندق جاء أسامة ين زيد أيضاً ومعه نفر من فتيان الصحابة، وجعل يشد قامته إلى أعلى ليجيزه رسول الله، فرق له النبي صلى الله عليه وسلم وأجازه، فحمل السيف جهاداً في سبيل الله وهو ابن خمس عشرة سنة.
وفي يوم حنين حين انهزم المسلمون، ثبت أسامة بن زيد مع العباس عم الرسول، وأبي سفيان وابن الحارث ابن عمه وستة نفر آخرين من كرام الصحابة.
وفي يوم مؤتة جاهد أسامة تحت لواء أبيه زيد بن حارثة وسنة دون الثامنة عشرة فرأى بعينيه مصرع أبيه، فلم يهن ولم يتضعضع، وإنما ظل يقاتل تحت لواء جعفر بن أبي طالب حتى صرع على مرأى منه ومشهد، ثم تحت لواء عبد الله بن رواحة حتى لحق بصاحبه، ثم خالد بن الوليد حتى استنقذ الجيش الصغير من براثن الروم.
وفي السنة الحادية عشرة للهجرة، أمر الرسول الكريم بتجهيز جيش لغز الروم، وجعل فيه أبا بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص، وأبا عبيد بن الجراح وغيرهم من جلة الصحابة وأقر على الجيش أسامة بن زيد، وهو لم يتجاوز العشرين بعد.
وفيما كان الجيش يتجهز، مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما اشتد عليه المرض توقف الجيش عن المسير انتظاراً لما تسفر عنه حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أسامة: (لما ثقل على نبي الله المرض، أقبلتُ عليه وأقبل الناس عليه معي، فدخلت عليه فوجدته قد صمت فما يتكلم من وطأة الداء، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها عليَّ؛ فعرفت أنه يدعو لي، ثم ما لبثت أن فارق الرسول الحياة)، وتمت البيعة لأبي بكر، فأمر بإنفاذ بعث أسامة.
لكن فئة من الأنصار رأت أن يؤخر البعث، وطلبت من عمر بن الحطاب أن يكلم في ذلك أبا بكر، وقالت له: فإن أبى إلا المضي، فأبلغه عنا أن يولي أمرنا رجلاً أقدم سناً من أسامة، وما إن سمع الصديق من عمر رسالة الأنصار، حتى وثب لها - وكان جالساً - وأخذ بلحية الفاروق وقال مغضباً:
(ثكلتك أمك وعدمتك يا بن الخطاب… استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أنزعه؟! والله لا يكون ذلك).
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [الأحزاب:36].
ولما انطلق الجيش بقيادة قائده الشاب، شيعه خليفة رسول الله ماشياً وأسامة راكب، فقال أسامة: يا خليفة رسول الله، والله لتركبن أو لأنزلن، فقال أبو بكر: والله لا تنزل، ووالله لا أركب … وما عليَّ أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة؟!
ثم قال لأسامة: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، وأوصيك بإنفاذ ما أمرك به رسول الله، ثم مال عليه وقال: إن رأيت أن تعيني بعمر فائذن له بالبقاء معي، فأذن أسامة لعمر بالبقاء .
مضى أسامة بالجيش، وأنفذ كل ما أمره به رسول الله، فأوطأ خيل المسلمين (تخوم البلقاء) و (قلعة الداروم) من أرض فلسطين، ونزع هيبة الروم من قلوب المسلمين ومهد الطريق أمامهم لفتح بلاد الشام، ومصر، والشمال الإفريقي كله حتى بحر الظلمات.
بمثل أولئك الرجال حرروا البلاد والعباد.
ظل أسامة بن زيد ما امتدت به الحياة موضع إجلال المسلمين وحبهم، وفاءً لرسول الله وإجلالاً لشخصه.
فقد فرض له الفاروق عطاءً أكثر مما فرضه لابنه عبد الله بن عمر، فقال عبد الله لأبيه: (يا أبتِ فرضت لأسامة أربعة آلاف وفرضت لي ثلاثة آلاف، وما كان لأبيه من الفضل أكثر مما كان لك، وليس له من الفضل أكثر مما لي.
فقال الفاروق: هيهات … إن أباه كان أحب إلى رسول الله من أبيك، وكان هو أحب إلى رسول الله منك، … فرضي عبد الله بن عمر بما فرض له من عطاء.
وكان عمر بن الخطاب إذا لقي أسامة بن زيد قال: مرحباً بأميري… فإذا رأى أحداً يعجب منه قال: لقد أمره علي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رحم الله هذه النفوس الكبيرة، فما عرف التاريخ أعظم ولا أكمل ولا أنبل من صحابة رسول الله.
والحمد لله رب العالمين.

عدد القراء : 112