shikh-img
رسالة الموقع
                            &n

النصر للمقاومة

 

كان الناس أيام الاعتداء الإسرائيلي على لبنان في حالة استنفار روحي ونفسي وعقلي ووجداني، مما يجري في محيط المنطقة، فالقلوب تخفق، والعيون تدمع، والآهات حرَّى، والعقول في حيرة، وذلك جراء ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي؛ حيث الحروب مستمرة، والدمار شامل، وإبادة الإنسان مستعرة، وكأنه لا قيمة للإنسان ولا كرامة له، لا حياً ولا ميتاً، فالجنائز تقصف، والأحياء يقتلون، والأموات يبقون تحت الأنقاض أياماً دون قدرة على الوصل إليهم.

ما الذي يجري للمؤمنين في غزة، وللمجاهدين في جنوب لبنان، وللصامدين في أرض الرافدين؛ قتل للبشر، وتدمير للحجر، واجتثاث للشجر، وبلادنا فوق حرارة الشمس في فصل الصيف تُشوى برائحة أجساد الأطفال، وأصبح لون المياه مُلَوَّن بلون الدماء الزكية الطاهرة، بل إن العدو قد أسمى عملياته العسكرية (أمطار الصيف).

في غزة أرواح تزهق، وفي لبنان نار تتفجر، وفي العراق دماء تصبغ المياه لوناً أحمر، وفي فلسطين شباب وضعوا أرواحهم على أكفهم وساروا، غير هيابين من الموت، يدفعهم الحق المسلوب من بذل كل جهدهم، ليتحرروا من ظلم الأعداء، وفي لبنان مقاومون يحملون الشهامة والعزة والبطولة، ويحلمون بالنصر والشهادة، حتى إن كثيراً من المقاومين يخشون أن تنتهي المعارك قبل أن ينال شرف الشهادة.

وإننا لننظر نظرة فخر وإعجاب، وعزة وكبرياء إلى أمثال هؤلاء الشباب الصامد، والمقاومة الباسلة؛ لما يقدمون من صور العطاء والفداء، ومعارك الصمود والتضحية، فهم ـ بحق ـ رفعوا رأس الأمة عالياً، واستعادوا لها عزتها وكرامتها أما التضليل الإعلامي بمقولة [الجيش الذي لا يقهر]، وبعد سنوات المهانة والذل والهوان أمام العدو وقفت المقاومة اليوم في فلسطين ولبنان لتُثبت الحجة أمام الله والعالم أن الحق لا يضيع، وأن الاحتلال إلى زوال.

والعالم كله ينظر إلى المقاومين نظرة إجلال واحترام، على صمودهم وثباتهم، وجهادهم وصبرهم، والشرفاء في العالم، وأسر الشهداء والجرحى والمهجرون يترقبون من المقاومين الأمل بالنصر المبين، والفرج القريب، وإنه آتٍ بإذن الله.

إن المقاومة هي التي تدافع عن الحق في وجه الباطل، وهي التي تنافح عن العدل في مواجهة الظلم، ولها معانٍ عظيمة، ودلالات سامية، كما أن لها بالنفس والروح تعلق، ولها في الفكر والعقل تألق، فهي مشاعر نفسية عارمة، ورؤية فكرية راقية، قبل أن تكون حركة عملية أو أسباباً مادية، وهنا تظهر قوتها.

والعقلاء يدركون أن القوة المعنوية أعظم قدراً وأبقى أثراً، ليس في زمن الماديات والمدمرات والآليات والجرافات والطائرات اليوم، بل هو في كل زمان ومكان، حيث قوة الحق والإيمان، أكبر من آلة البطش والعدوان، كما أن العقلاء يدركون أن المهزوم في أعماق نفسه لا تنفعه القوة المادية مهما عظمت.

إن قوة المقاومة تكمن في شرعيتها، وقوة الاحتلال تكمن في آلـته العسكرية، وشتان بين قوة الشرعية وقوة الآلة، كما أن المقاومة تكسب ثقتها من صدقها ومصداقيتها، ومن هنا جاءت تسمية عملية أسر الجنود الإسرائيليين (الوعد الصادق)، كما تكسب المقاومة ثقتها من ثقة الشعب بها.

لذا ندعو الإخوة داخل لبنان إلى موقف الثقة والدعم والتضامن والمساندة، وكذلك ندعو الشرفاء في العالم العربي والإسلامي إلى التضامن والصمود والدعم والمساندة، وعدم الاكتراث لدعايات العدو وحملاته التضليلية.

المقاومة فطرة بشرية في الحياة الإنسانية، والإنسان السوي هو الذي تكمن في أعماقه وفطرته مقاومة كل ما يسؤوه ويؤذيه، فكيف يكون موقفه مِمَن يحتل أرضه؟!!.

والمقاومة ثقة بالله وقوة إيمان صادق، ينبع من أعماق الوجدان، والمقاوم يشعر بذلك لحظة عمله، وعنده ثقة بالله واهب الحياة، هذه الثقة هي التي تدفعه إلى المقاومة والممانعة، لأن بين جنبيه نفساً عظيمة أبية، وروحاً حية زكية، يشقي أرض الوطن بدمه الطاهر، فتنبت الأرض ثمراً ونصراً.

والمقاومة عزة وإباء، ونفس المقاوم تأبى الذل، وتعاف الهوان، وتأنف من الخنوع، فالمقاومة لا تجتمع مع الذلة أبداً، ومَن يرضى الذل يفقد مقومات الوجود الإنساني؛ لأنه بذلك يرضي أن يكون مستباحاً لكل طامع، وغرضاً لكل معتدٍ، ومستسلماً أمام أي قوة، وحسب المقاومة أنها تحافظ على كينونة العزة والإباء ليبقى الإنسان جديراً بإنسانيته.

والمقاومة حق وعدل، فالإنسان ينشد العدل والإنصاف، والمقاوم يرفض الظلم والإعساف، وتأتي المقاومة لتكون محافظة على الحقوق وصائنة لها، وتضحي في الذود عنها.

وهكذا المقاومة تلازم بين الحق وأصحابه، والحقوق لا تسقط بالتقادم، ولا تلغى بفرض الأمر الواقع، عبر ما فعلته [إسرائيل] من محاولات كسب مزيد من المساحات في الأرض، وتدمير البنى التحتية للبنان وفلسطين، وتقطيع أوصال الصلة بين الأهل والأقارب.

بل تبقى المقاومة ما بقي في المقاومين عرق ينبض، ونََفَس يتردد، و[ما ضاع حق وراءه مقاوم].

والمقاومة فداء وتضحية، للحفاظ على المقومات والإنسان الذي هو أقدس شيء في الكون، ومن العار أن يتحدث العالم عن لأرض مقدسة، في اللحظة التي يُقتل فيها الإنسان، هو الذي المقدس الأوحد، والذي لخدمته خلق الله الأرض والأكوان، وجعل المساجد والمعابد لخدمته، فيا عجباً أن يباد المخدوم [الإنسان] لمصلحة الخادم [الأرض].

وفي سبيل الحفاظ على الإنسان تستنفر المقاومة كل القوى، وتستنفد كل الإمكانات، وتبذل لأجلها الأرواح، وشتان بين مَن يحافظ على الإنسان، وبين مَن يقتل الإنسان.

غير أن ما يراه العالم على شاشات الرائي، من مذابح جماعية ومجازر وحشية؛ لأناس معظمهم أطفال وشيوخ ونساء، هو الذي بدأ يغير صورة الصهاينة وإجرامهم، فأطفال المدارس، والرضع، وأبناء الأيام [المواليد حديثاً] هم المستهدفون بالقصف الجوي على المدن والقرى والمزارع.

وبقراءة لتجارب الأمم والشعوب على اختلاف أزمنتها وأمكنتها تثبتت أن العاقبة دائما للمقاومة الشعبية، وأن الهزيمة دائما للمحتل الغاصب.

إن مقاومة الاحتلال والعدوان واجب إسلامي, وهي من أشرف أنواع الجهاد, ففي القرآن الكريم يقول تعالى: (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم)، وحينما جاء أحد الصحابة ليشارك في الجهاد في سبيل الله، وأولاده يمنعونه بسبب كونه أعرجاً، وأبناؤه يكفونه مؤنة القتال، والقرآن يقول: {ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا المريض حرج} في الاعتذار عن المشاركة في الجهاد والمعارك، أجاب ذاك الصحابي بلغة الواثق بعطاء الله ونصره: أحب أن أدخل [أطأ] الجنة بعرجتي هذه، فلا تمنعوني من رغبتي.

إن المقاومة تنطلق بإرادة ذاتية تهدف إلى صد العدوان وطرد المحتل واستعادة السيادة والكرامة.

لقد حققت المقاومة مستوى من الإنجاز أكبر بكثير من حجم إمكاناتها قياساً بإمكانيات العدو الذي تواجهه، ومن ذلك:

أولاً: مشاغلة العدو عن تنفيذ مشروعه في المنطقة، فالعدو حينما يستقر يرفع سلم أطماعه، وها هو يحاول كسب الوقت لمزيد من فرض شروطه وإملاءاته.

ثانياً: فضح حقيقة المحتلين وكشف عورتهم أمام الرأي العام العالمي، فبعد أن سوّقت وسائل الإعلام الغربية أن [إسرائيل] مظلومة ومتعدى عليها، وأنها تريد الحفاظ على أمنها واستقرارها، ها هي صور المعارك تمزق ما روَّجت له تلك الوسائل، فشتان بين الحفاظ على الأمن وبين قتل الأطفال الرضع، والشيوخ والأبرياء.

ثالثاً: نجحت المقاومة ميدانياً بكسر إرادة القوة العظمى، وحققت نصرها العظيم عبر صمودها الطويل.

رابعاً: إن المقاومة قد نفخت روح الحياة في الأمة بعد سلسلة متتابعة من النكسات والإحباطات، وقد صنعت ثقافة جديدة تستند إلى عقيدة الأمة وثوابتها، وأنها قادرة على النهوض بالأمة فوق مقاييس القوى والموازنات المادية.

(وما النصر إلا من عند الله).

 

للمتابعة والمراجعة: د. علاء الدين زعتري

094543232

عدد القراء : 62