shikh-img
رسالة الموقع
واجب المؤمنين عند نزول القَدَر واجب المؤمنين عند نزول القَدَر: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ

الاعتدال والوسطية

الاعتدال والوسطية حتمية في الشريعة الإسلامية

مقدمة

وسطية الإسلام، مفهومها.

الآيات العامة في الاعتدال والتوسط:

في أمر العقيدة:

في العبادات:

في المعاملات الاجتماعية:

في المعاملات المالية:

الأحاديث النبوية العامة التي ذكرت التوسط والاعتدال:

في العبادات بوجه عام:

في عبادة الصلاة:

في عبادة الصوم:

في النذر:

في الحج:

في العقيدة:

في قراءة القرآن:

في العلاقات الاجتماعية:

في الوصاية على اليتيم:

في المحبة والمودة:

في مقام الموعظة والإرشاد:

مظاهر الوسطية:

سمات وملامح الوسطية:

آفاق الوسطية:

مبناها، أبعادها في ميدان الفقه الحضاري والعلاقات المتبادلة بين المسلمين وغيرهم.

المفهوم الخاطئ للوسطية.

 

 

خلاصة:

في عالم ملئ بالمشكلات والصعوبات، واتهامات الآخر للإسلام بأنه دين التطرف والتعصب، يأتي هذا البحث العلمي ليكشف حقيقة مهمة من حقائق الإسلام، ألا وهي حتمية الوسطية.

فقد جاءت الشريعة الإسلامية باليسر والتيسير، ولم تأت بالشدة والتعسير، ولقد تأكدت هذه المعاني العظيمة في أصول الشرع وفروعه، وقواعد الدين وجزئياته، فالمطلب الشرعي: سلوك طريق الوسطية والاعتدال.

وقد اعتمد البحث على النصوص الشرعية؛ آيات وأحاديث، وقد تم تصنيف الآيات والأحاديث حسب الموضوعات، مع شرح موجز، فجاءت الآيات على النحو الآتي:

الآيات العامة في الاعتدال والتوسط، وآيات ذكرت التوسط في أمر العقيدة، وكذا التوسط في العبادات، والمعاملات الاجتماعية، والمعاملات المالية:

كما تم تصنيف الأحاديث النبوية:

الأحاديث النبوية العامة التي ذكرت التوسط والاعتدال، والعبادات بوجه عام، والتوسط والاعتدال في عبادة الصلاة، وعبادة الصوم، والنذر، والحج بوجه خاص، وكذا الأحاديث النبوية التي ذكرت التوسط والاعتدال في العقيدة، وقراءة القرآن، وفي العلاقات الاجتماعية، وفي الوصاية على اليتيم، والمحبة والمودة، وفي مقام الموعظة والإرشاد، كان رسول الله r سيد المعتدلين والمتوسطين:

وزُوَّد البحث بنصوص من أقوال الصحابة والتابعين وأعمالهم:

وفي ختام البحث تم وضع نقاط ليسير عليها المسلم؛ للوصول إلى حد الوسطية والاعتدال في دين الله دون غلو أو تفريط.

 

 

مقدمة

الحمد لله معلم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على رسوله المأمور بالقراءة باسم ربه الأكرم، وعلى آله أهل العز والشيم، ورضي الله عن الأصحاب أرباب الخير والكرم، وبعد:

فلقد جاءت الشريعة الإسلامية باليسر والتيسير، ولم تأت بالشدة والتعسير، فلا إرهاق في تكاليفها، ولا إذلال لإتباعها، ولا تضييق على معتنقيها ولا إعسار على المتمسكين بها، بل هو التوسط والاعتدال، كما قال تعالى: ]وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً[ [البقرة:2/143]، وفي الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ t عَنْ النَّبِيِّ r فِي قَوْلِهِ: ]وَكَذَلكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً[، قَالَ: " عَدْلاً "([1]).

ولقد تأكدت هذه المعاني العظيمة في أصول الشرع وفروعه، وقواعد الدين وجزئياته، وجاءت الآيات الكريمة لتبين ضرورة التوازن بين رغبات الدنيا ومطالب الآخرة، وحتمية الاعتدال التوسط، قال سبحانه: ]وَابْتَغِ فِيمَا ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ، وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ[ [القصص:28/77].

والإسلام وسط بين الروحانية والمادية، وبين الرهبانية والانقطاع للعبادة والتحنث والجرى وراء الدنيا الفانية بمتاعها وزخرفها، فقد جمع الإسلام بين مصالح الدنيا والآخرة.

وهو وسط بين الغلو والجفاء، وبين الإفراط والتفريط، فكما أن الغلو مذموم فإن الجفاء أيضا مذموم، ويجب على المرء الانتفاع بنصح الآخرين فى التنبيه على الغلو أو الانحلال والترخص الذى يذهب معه الدين ويضمحل. وينبغى أن تكون الفتاوى فى المسائل النازلة وما يستجد من الحوادث على منهج الوسطية ووفق الضوابط والأحكام التي ذكرها العلماء وبينوها والقصد من هذا البحث التأكيد على أن التشريع الإسلامي قائم على الوسطية.

والإسلام دين الحق والاعتدال والسماحة والسلام، والسمو والرقي، وملازمة العدل في كل شيء عام أو خاص.

وكل ما صادم هذه المبادئ، واصطبغ بأضدادها، لم يكن من الإسلام، وإن تأوّله فرد أو حاكم أو جماعة، فهم مخطئون مسؤولون عما يقترفون من الباطل أو التطرف والتشدد، أو العدوان، أو الدنو أو الإسفاف، أو الجور وغير ذلك من أحوال الانحراف والضلال والشذوذ.

إن الإسلام دين الحق الذي لا تفريط فيه، وقمع الباطل الذي لا مهادنة في التخلص منه، ودين العقيدة الحقة والإيمان الذي يتطابق مع العقل والمنطق والواقع، ودين العبادة السوية المرضية للمعبود، ودين النظام الأمثل الجامع بين مطالب النفس والمادة والروح وبين إصلاح الدنيا والآخرة، وتحقيق السعادة فيهما على السواء، وبين الأخلاق الفاضلة التي تعصم السلوك من الانحراف والدناءة، وترقى بالنفس البشرية إلى قمة القدوة أو الأسوة الحسنة دون إغراق في النفعية المادية، ليستقيم الفرد، وترقى الجماعة، ويسمو الإنسان، وتراعى حقوقه وتصان نفسه وعقله وعرضه وماله من ألوان الاعتداء أو الجناية، ولا يكون هناك في أي مجال في الأسرة أو المجتمع إسراف أو تقتير في الإنفاق والشهوات، ولا مغالاة في الالتزام والاستقامة، ولا تورط في ارتكاب المعاصي والمخالفات.

ومن المؤسِف أن يظهر في العالم الإسلامي، وداخل المجتمعات المسلمة أناس يلتزمون بالمغالاة، ويتمسكون بالتشديد، كما تظهر فئة أخرى يأخذون جانب التقصير والتهاون، ويرفعون شعار التساهل والترخص.

والمطلوب الشرعي هو سلوك طريق الوسطية والاعتدال، الذي أراد الله U من الإنسان أن يسلكها، فهو I خلق الإنسان ويعلم طبيعته وتكوينه، وفطرته وجبلته، وأودع فيه الميول والغرائز، وخلق بداخله الاحتياجات والعواطف، وأنـزل الله I الكتب، وأرسل الرسل؛ لبيان القواعد والضوابط التي تحيط مكونات الإنسان الفطرية، والاجتماعية، والبيئية، والنفسية، لتوجيهها في المسار الصحيح.

وإن من نعمة الله على هذه الأمة وتشريفه لها أن جعلها أمة وسطا خيارا عدولا فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143].

وإن مقوِّمات رسالة الإسلام الخالدة إلى يوم القيامة القائمة على النزعة العالمية والخلود والخاتمية تتطلب المنهج الرصين والحكيم والنابع من منطق العقل الحصيف أو العقلانية، والحكمة، والاعتدال، والسماحة والتوازن، ومسايرة الفطرة الإنسانية، والواقع المعيشي، ومراعاة اختلاف الأمزجة والميول والنزعات والرغائب، وإقرار الأمن والسلام، والحرص على تطبيق العدل والمساواة والحرية، وصون الكرامة الإنسانية، وكل ما من شأنه الحفاظ على حقوق الإنسان، والإشادة بالبناء العقدي الراسخ والبعد عن كل عوامل الهدم والضعف والأساطير والخرافات.

والوصول إلى تحقيق هذه الغايات السامية يتطلب إدراك مفاهيم الإسلام في علاقته مع الأفراد والشعوب والأمم والدول على حد سواء، حتى لا تهتز الثقة بشريعة الوحي الإلهي المتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة.

ويلمس كل إنسان أن المصلحة الحقيقية والتماس النجاح أو النجاة، والاطمئنان والراحة النفسية تتجسد كلها في الخطاب الإلهي التشريعي العقدي والتعبدي والتعاملي والأخلاقي والسلوكي والاقتصادي والإنساني، والفقه الحضاري القويم القائم على التجرد والموضوعية والتعادل في التبادل، والاستقرار والشمول، والواقعية المنسجمة مع المثل العليا القائمة على محبة الخير والإحسان، والتضحية والإيثار، والأخوة الإنسانية، والاعتقاد الحق، وترسيخ معالم المدنية والتحضر، وتوفير الشعور بالطمأنينة والإحساس بالسعادة الغامرة في عالم الدنيا والآخرة، ولا سيما في عصرنا الحاضر حيث يتعرض الإسلام وأهله لتحديات خطيرة، واتهامات مغرضة، وافتراءات وأباطيل في مظلة ما سموه مكافحة الإرهاب والعنف والتطرف، والإسلام منه براء.

وهذا يتطلب إلقاء الضوء على وسطية الإسلام، وسماحته.

ولقد جاء منهج الوسطية من خلال القرآن الكريم  في أساليب عدة تصريحاً وإيماء، مفصلاً ومجملاً، خبرًا وإنشاءً، أمرًا ونهياً.

وكل ما نريد تحقيقه هو إعلاء كلمة الحق والعدل، وصون حقوق المستضعفين، وقمع الظلم والتسلط، ومقاومة الانحراف وتشويه المفاهيم، بالإصغاء لنداء الوجدان والضمير، والعقل والحكمة، والعدالة المجردة، دون تعصب ولا تشتت، ولا إخفاء لمقاصد خبيثة، أو تبييت لنيات وبواعث نفعية، ولا اعتماد على منطق القهر، والقوة العسكرية، ومحاولة إخضاع الشعوب المستضعفة، وتسخيرها أو تركيعها لهيمنة النفوذ الخطير للصهيونية العالمية.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

 

 

مفهوم الوسطية

الوسطية في اللغة بمعنى التوسيط وهو أن يجعل الشيء في الوسط، والوسط: اسم لما بين طرفي الشيء، وهو المعتدل، أو ما بين الجيد والرديء([2]).

وأوسط الشيء: أفضله وخياره، وأعدله([3]).

وتأتي بمعنى: الخيار، والأجود، والأفضل، وبمعنى الحسب والشرف.

ولقد وردت الوسطية في القرآن الكريم في أكثر من آية وفي السنة في أكثر من حديث على معان منها:

(1) بمعنى العدل والخيرية والتوسط بين الإفراط والتفريط، ومن ذلك قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، أي: عدلاً([4]). وبهذا المعنى فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري فقال: "الوسط: العدل".

(2) وفسرها ابن جرير الطبري بمعنى التوسط بين الإفراط والتفريط([5]).

(3) وكذلك ابن كثير فسرها: بالخيار الأجود([6]).

(4) وتأتي الوسطية في السنة كذلك بمعنى الأوسط والأعلى كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم الفردوس بأنه: "أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ"([7]).

(5) ويأتي معنى الوسطية على اعتبار الشيء بين الجيد والرديء، كما قال ابن عباس: كَانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ أَهْلَهُ قُوتًا دُونًا، وَبَعْضُهُمْ قُوتًا فِيهِ سَعَةٌ، فَقَالَ اللَّهُ: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89]: الْخُبْزِ وَالزَّيْتِ.

وتأتي الوسطية مقابل:

- الغلو: وهو مجاوزة الحد. قال تعالى: { لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}  [النساء: 171، المائدة: 77]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ"([8]).

- والإفراط: وهو بمعنى الغلو، وهو تجاوز القدر في الأمور.

- والتفريط: وهو بمعنى التقصير.

فالاعتدال والوسطية منهج الحق ومنهج الأنبياء وأتباعهم، ويتمثل ذلك بالإسلام بعد مبعث النبي r وبالسنة، ومنهج السلف بعد ظهور الأهواء والافتراق، فأهل السنة والجماعة هم العدول الأخيار في العقيدة والعبادة والأخلاق والمواقف.

وقد أوضح الطبري([9]) هذا التشبيه بقوله: كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه السلام وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل، كذلك خصصناكم، ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطاً، والوسط في كلام العرب: الخيار.

ثم قال: وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين، ووصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقولهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدَّلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به، ولكنهم - أي المسلمين- أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها، والخيار من الناس: عدولهم.

وقال في الكشاف([10]): ومثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم (أمة وسطاً) أي خياراً، وهي صفة بالاسم الذي هو وسط الشيء، وقيل للخيار وسط؛ لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل، والأوساط محمية محوطة.

وقال الرازي([11]): الوسط: هو العدل في قول جماعة بدليل الآية والخبر والشعر والنقل والمعنى، أما الآية فهي: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم: 28]، والخبر: ما رواه القفال عن الثوري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أمة وسطاً"، قال: "عدلاً"، وما رواه ابن السمعاني عن علي مرفوعاً: "خير الأمور أوسطها" أو "أوساطها"، وفي رواية ابن عباس عند الديلمي مرفوعاً: "خير الأمور أوسطها"([12])، والشعر قول زهير:

هم وسط يرضى الأنام بحكمهم... إذا نزلت إحدى الليالي العظائم

والنقل كما قال الجوهري في الصحاح: (أمة وسطاً) أي عدلاً، والمعنى: أن المتوسط في الأخلاق يكون بعيداً عن طرفي الإفراط والتفريط، فكان معتدلاً فاضلاً.

فثبت أن الأمة الإسلامية متصفة بالعدالة، مما جعلها أهلاً لأداء الشهادة على الأمم الأخرى بأن رسلهم بلّغوهم رسالات ربهم، ورسولنا شاهد علينا بأنه بلغنا الرسالة، وأدى الأمانة.

كما ثبت عند القائلين بتفسير الوسط من كل شيء خياره: أن الأمة الإسلامية معتدلة متوسطة في رسالتها وشريعتها، ومبادئها وقيمها، تلتزم الصراط السوي، وتلتزم منهج الاعتدال، وتتجه بإخلاص منقطع النظير لإصلاح الأمم والشعوب والأفراد بما يحقق لهم السعادة والنجاة، ويكفل لهم عز الدنيا، والفلاح في الآخرة، على أساس الجمع بين المثل العليا والواقع المشاهد، وهذا المعنى هو الأنسب لبحثنا.

ثم إن اتصاف الأمة الإسلامية بالعدالة والخيرية يؤهلها لأن تكون أمة القيادة والتوجيه؛ لالتزامها شرف الكلمة والإحسان والعدل، والتوازن والاعتدال، ولصواب عقيدتها، وإحكام نظامها وشريعتها ومنهجها، بل موقعها في الأرض وتاريخها ومناخها، ولكون مكة المكرمة في مركز وسط الكرة الأرضية للعالم أجمع، فهي أمة الخير، وتملك ناصية الميزان، ورأيها المعتمد على وحي الله تعالى هو الرأي السديد في معالجة جميع القضايا والشؤون.

 

 

 

الوسطية في القرآن الكريم:

وفي مطالعة لآيات القرآن الكريم نقرأ ما يدعونا للاعتصام والتمسك بالاعتدال والتوسط، بدل الإفراط والتفريط، وعوضاً عن التساهل والمغالاة، وقد حاولت تصنيف هذه الآيات حسب الموضوعات:

الآيات العامة في الاعتدال والتوسط:

قال I: ] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ [البقرة:2/143].

وقال I: ] رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً ([13]) كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَاعْفُ عَنَّا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا، أَنْتَ مَوْلانَا، فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [ [البقرة:2/286].

وقال سبحانه: ] وَابْتَغِ ([14]) فِيمَا ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [ [القصص:28/77].

فالآية الأولى: وصف لحال الأمة المحمدية في كونها تحمل شعار التوسط، والإنصاف، والاعتدال، والتحاكم إليها.

وفي الآية الثانية: تعليم من الله للمؤمنين في أن يدعوه بأن يخفف عنهم ما كانت عليه التكاليف الشرعية في الأمم السابقة من الشدة والقسوة، وكذا في نوع وشكل العقوبة.

وفي الآية الثالثة: أمرٌ مِن الله I في أن يقصد الإنسان من كل تصرفاته؛ القولية والعملية: مرضاة الله، وأن يحسب حساب الآخرة، دون أن ينسى حياته في الدنيا.

الآيات التي ذكرت التوسط في أمر العقيدة:

قال تعالى: ] وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً [ [النساء:4/27].

وقال تعالى: ] يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ، وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ، إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ؛ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ، إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً [ [النساء:4/171].

وقال تعالى: ] لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [ [غافر:40/43].

فالآية الأولى: تتحدث عن أهل الضلال والكفر الذين يتمنون ويرغبون، ويخططون ويحاولون؛ لينحرف المؤمنون عن خط الحقيقة والإيمان، ويتبعون أهل الزيغ، وأصحاب الإفراط أوالتفريط.

والآية الثانية: تنهى عن المغالاة في الدين عموماً، والتعصب المقيت في الرأي، والتزمت المشين في الفكر.

والآية الثالثة: تتحدث عن الصراع الفكري والجدل العقائدي حيث كان جواب المؤمنين بأن المسرفين في معتقدهم والمغالين في دينهم ليسوا على الطريق المستقيم.

الآيات التي ذكرت التوسط في العبادات:

قال تعالى: ] يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ [البقرة:2/185].

وقال تعالى: ] لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا [ [البقرة:2/286].

وقال تعالى: ] كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ، وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، وَلا تُسْرِفُوا، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [ [الأنعام:6/141].

قال تعالى: ]  فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ [التغابن:64/16].

ففي الآية الأولى: كان سياق الآيات عن الصيام، بأن الله I يريد اليسر في تكليف عباده بالصوم.

وفي الآية الثانية: بيان الله U أنه لا يكلف عباده فوق طاقتهم.

وفي الآية الثالثة: حديث عن أداء فريضة الزكاة في الزرع و الثمار، ولا تسرفوا في أداء الحق منعاً، ولا تسرفوا في أداء الحق زيادة عن المطلوب.

وفي الآية الرابعة: أمر الله U أن يكون امتثال المؤمنون لأوامره بقدر استطاعتهم وجهدهم، دون مغالاة ولا تشدد، وبعيداً عن الإهمال والتقصير بحجة عدم الاستطاعة، يقول الله U: ] وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [ [البقرة:2/220].

الآيات التي ذكرت التوسط في المعاملات الاجتماعية:

قال تعالى: ] يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً [ [النساء:4/28].

وقال تعالى: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [ [المائدة:5/8].

وقال تعالى: ] وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [ [الأعراف:7/31].

وقال تعالى: ] قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [ [الأعراف:7/32].

وقال تعالى: ] وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ [ [الشعراء:26/151].

وقال تعالى: ] وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ، وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [ [لقمان:31/18].

وقال تعالى: ] وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ؛ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [ [لقمان:31/19].

سياق الآيات التي وردت فيها الآية الأولى: يشير إلى موضوع اختيار المرأة زوجةً صالحةً مؤمنة.

والآية الثانية: تطلب عدم المغالاة في التعامل مع الآخرين، وعدم ظلمهم وإن كانوا على غير دين الإسلام.

وفي الشؤون الحياتية اليومية من طعام وشراب: ينبغي التوسط والاعتدال، وهو ما أشارت إليه الآية الثالثة.

واستعمال الزينة وأكل الطيبات من الأمور المستحبة والمباحة للمؤمنين وتركها يعد من المغالاة، كما جاء في الآية الرابعة.

وفي وصف لبعض الكفار (قوم ثمود) في زمن نبي الله صالح، كان الشغل لديهم: التباهي بالعمارات، والتعاظم بالأموال، والتفاخر بالبنيان، فقال لهم نبي الله صالح u: ] وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ [.

وفي وصية لقمان لابنه أن يتعامل مع الناس باعتدال دون تكبر ولا احتقار.

الآيات التي ذكرت التوسط في المعاملات المالية:

قال تعالى: ] وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً(26)إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً [ [الإسراء:17/26-27].

وقال تعالى: ] وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ، وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ؛ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [ [الإسراء:17/29].

وقال تعالى: ] وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً [ [الفرقان:25/29].

وقال تعالى: ] وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ [الحشر:59/9].

في الآيتان الأولى والثانية نهى عن التبذير في الإنفاق، وهو الصرف في المحرمات.

وفي الآية الثالثة: تشبيه لحال الإنسان المقتر والمسرف بمن ربط يده إلى عنقه كي لا يستفيد من عملها أو بسطها ومدها كلها دون حساب أو مراجعة.

وفي وصف عباد الرحمن إنهم معتدلون في تصرفاتهم وفي إنفاقهم كما في الآية الرابعة، وأخيراً يبين الله U أن من صفات المفلحين أنهم تخلصوا من مرض البخل والشح، البخل على الآخرين، والشح على النفس بعدم الإنفاق عليها.

الوسطية في السنة النبوية:

وأما الاعتدال والوسطية في أقوال رسول الله r فهي واضحة المعالم، جلية المفهوم، وفيما يأتي طائفة منها:

الأحاديث النبوية العامة التي ذكرت التوسط والاعتدال:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ: " إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ([15]) وَالرَّوْحَةِ([16]) وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ([17]) "([18]).

وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ: " وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ _ أي إلى الله U _ مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ "([19]).

وعَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ r بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَاماً، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ، ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ: قُمْ الآنَ فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ r فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ r: " صَدَقَ سَلْمَانُ "([20]).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ الْمُزَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ: " السَّمْتُ الْحَسَنُ، وَالتُّؤَدَةُ، وَالاقْتِصَادُ؛ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً مِنْ النُّبُوَّةِ "([21]).

وعن أنس t عن النبي r: " ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعاً، فإنه يبلِّغه إلى الأخرى، ولا تكونوا كلاً على الناس "([22]).

وأما الأحاديث النبوية التي ذكرت التوسط والاعتدال في العبادات بوجه عام، فإليك بعضها:

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ r دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: مَنْ هَذِهِ قَالَتْ فُلانَةُ تَذْكُرُ مِنْ صَلاتِهَا، قَالَ: " مَهْ([23])، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ"([24]).

عَنْ أَنَسٍ t قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ r الْمَسْجِدَ وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ "، قَالُوا: لِزَيْنَبَ تُصَلِّي، فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ، فَقَالَ: " حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ قَعَدَ "([25]).

عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ t يَقُولُ: جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ r يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ r، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ r قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ!!!، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَداً، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَداً، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ r إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: " أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي "([26]).

عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ t قَالَ: (كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r فَكَانَتْ صَلاتُهُ قَصْداً وَخُطْبَتُهُ قَصْداً)"([27]).

الأحاديث النبوية التي ذكرت التوسط والاعتدال في عبادة الصلاة:

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ t، فِي قَوْلِهِ U: ] وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ [، قَالَ: (نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ r مُتَوَارٍ بِمَكَّةَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ r: ] وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ [، فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ قِرَاءَتَكَ، ] وَلا تُخَافِتْ بِهَا [، عَنْ أَصْحَابِكَ، أَسْمِعْهُمْ الْقُرْآنَ، وَلا تَجْهَرْ ذَلِكَ الْجَهْرَ، ] وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً [، يَقُولُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ)([28])، فإذا كان صوت قراءة القرآن يحتاج لاعتدال ووسطية، فما بالك بسائر مناحي الحياة والمناشط الدنيوية.

عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ r: " يَا عَبْدَ اللَّهِ لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ "([29]).

الأحاديث النبوية التي ذكرت التوسط والاعتدال في عبادة الصوم:

عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ r: " يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟!"، فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " فَلا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ "، فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: " فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ u، وَلا تَزِدْ عَلَيْهِ "، قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ الله دَاوُدَ u، قَالَ: " نِصْفَ الدَّهْرِ "، فَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ r "([30]).

عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ t قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ r فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r فَضَعُفَ ضَعْفاً شَدِيداً، وَكَادَ الْعَطَشُ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَجَعَلَتْ نَاقَتُهُ تَدْخُلُ تَحْتَ الْعِضَاهِ، فَأُخْبِرَ بِهِ النَّبِيُّ r فَقَالَ: " ائْتُونِي بِهِ "، فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ: " أَلَسْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ r، أَفْطِرْ "، فَأَفْطَرَ([31]).

الأحاديث النبوية التي ذكرت التوسط والاعتدال في النذر:

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اله عنهما قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ r يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلا يَقْعُدَ وَلا يَسْتَظِلَّ وَلا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ r: " مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ "([32]).

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ قَالَ حَدَّثَتْنِي مُجِيبَةُ عَجُوزٌ مِنْ بِاهِلَةَ عَنْ أَبِيهَا أَوْ عَنْ عَمِّهَا، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r لِحَاجَةٍ مَرَّةً، فَقَالَ: " مَنْ أَنْتَ "، قَالَ: أَوَ مَا تَعْرِفُنِي، قَالَ: " وَمَنْ أَنْتَ "، قَالَ: أَنَا الْبَاهِلِيُّ الَّذِي أَتَيْتُكَ عَامَ أَوَّلٍ، قَالَ: " فَإِنَّكَ أَتَيْتَنِي وَجِسْمُكَ وَلَوْنُكَ وَهَيْئَتُك حَسَنَةٌ، فَمَا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى ؟! "، فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَفْطَرْتُ بَعْدَكَ إِلا لَيْلاً، قَالَ: " مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ؟! مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ؟! مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ؟! _ ثَلاثَ مَرَّاتٍ _ صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ رَمَضَانَ "، قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي، فَقَالَ: "فَصُمْ يَوْماً مِنْ الشَّهْرِ"، قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي، قَالَ: "فَيَوْمَيْنِ مِنْ الشَّهْرِ"، قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي، قَالَ: "وَمَا تَبْغِي عَنْ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَيَوْمَيْنِ فِي الشَّهْرِ"، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي، قَالَ: " فَثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ الشَّهْرِ "، قَالَ: وَأَلْحَمَ عِنْدَ الثَّالِثَةِ، فَمَا كَادَ قُلْتُ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَزِيدَنِي، قَالَ: " فَمِنْ الْحُرُمِ وَأَفْطِرْ "([33]).

الأحاديث النبوية التي ذكرت التوسط والاعتدال في الحج:

عن ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ r غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: " هَاتِ الْقُطْ لِي([34]) "، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: "بِأَمْثَالِ هَؤُلاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ"([35]).

الأحاديث النبوية التي ذكرت التوسط والاعتدال في العقيدة:

عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ _ وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ r _ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ t، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ r يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ r عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيراً، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ!! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: " وَمَا ذَاكَ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيراً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ؛ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً " ثَلاثَ مَرَّاتٍ([36]).

الأحاديث النبوية التي ذكرت التوسط والاعتدال في قراءة القرآن:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بقَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: " اخْتِمْهُ فِي شَهْرٍ "، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " اخْتِمْهُ فِي عِشْرِينَ "، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " اخْتِمْهُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ "، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " اخْتِمْهُ فِي عَشْرٍ "، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " اخْتِمْهُ فِي خَمْسٍ "، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَمَا رَخَّصَ لِي([37]).

وفي العلاقات الاجتماعية وردت أحاديث عن رسول الله r تبين التوسط والاعتدال، منها:

عَنْ عبد الله بن عمرو بن العاص t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: " كُلُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَالْبَسُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلا مَخِيلَةٍ "([38]).

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلا يُنْفِقُ عَلَيَّ وَوَلَدِي مَا يَكْفِينِي، أَفَآخُذُ مِنْ مَالِهِ وَلا يَشْعُرُ؟ قَالَ: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدِكِ، بِالْمَعْرُوفِ "([39])، أي من غير زيادة وإفراط.

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ أَهْلَهُ قُوتاً فِيهِ سَعَةٌ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ أَهْلَهُ قُوتاً فِيهِ شِدَّةٌ، فَنَزَلَتْ: ] مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ[([40]).

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ t عَنْ النَّبِيِّ r أَنَّهُ قَالَ: "مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ"([41]).

وفي الوصاية على اليتيم، ورد حديث عن رسول الله r في إطار الوسطية والاعتدال:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص t قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ: لا أَجِدُ شَيْئاً، وَلَيْسَ لِي مَالٌ وَلِي يَتِيمٌ لَهُ مَالٌ، قَالَ: "كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلا مُتَأَثِّلٍ مَالاً "، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: "وَلا تَقِي مَالَكَ بِمَالِهِ"([42]).

وفي المحبة والمودة طلب رسول الله r من المؤمن أن يكون على حال من الاعتدال والتوسط:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: (أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَا)([43]).

وفي مقام الموعظة والإرشاد، كان رسول الله r سيد المعتدلين والمتوسطين:

عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ _ يعني ابن مسعود t _ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: (أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ r يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا)([44]).

 

 

الوسطية في سيرة الصحابة والتابعين:

إن الدعوة إلى التوسطية والاعتدال لم تقتصر على نصوص القرآن والسنة، بل وردت هذه المعاني في أقوال الصحابة والتابعين وأعمالهم، فمن آثارهم:

قول عبد الله بن عمرو بن العاص: (احرز لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً)([45]).

وروي عن الإمام الأوزاعي أنه قال: (ما من أمرٍ أَمَر الله به إلا عارضه الشيطان فيه بخصلتين، لا يبالي أيهما أصاب الغلو والتقصير)([46]).

وبعد عرض النصوص يحسن وضع النقاط الآتية ليسير عليها المسلم؛ للوصول إلى حد الوسطية والاعتدال في دين الله دون غلو أو تفريط:

_ الالتزام بأحكام الدين: عقيدة وعبادة، علماً وعملاً، دون الخروج قيد أنملة، ] أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [ [آل عمران:3/83].

_ قصد وجه الله في العبادات والمعاملات، في الأقوال والأفعال، في التصرفات والحركات، ] وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [ [البينة:98/5].

_ الاحتكام – عند الاختلاف _ إلى شرع الله، قال تعالى: ] إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [ [يوسف:12/67].

_ حسن التوكل على الله، ] وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا[ [الطلاق:65/3].

_ مجالسة العلماء، وصحبة الصادقين، ] وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [ [التوبة:9/119].

_ الحرص على الطاعات، والمواظبة عليها وإن قَلَّت.

_ التسابق في الخيرات والتنافس في القربات.

_ نبذ التعصب والتزمت.

_ ترك التمييز بين خلق الله بحجة المدرسة الفقهية المختلفة، أو المذهب المختلف.

_ نبذ التفريق بين المسلمين بحجة القبلية أو الشعوبية، فإن الله إنما خلقنا كذلك للتعارف والتوادد، ولا للتنابذ والتفرد، ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ [الحجرات:49/13].

_ التوازن الحياتي في إشباع الغرائز والميول والعواطف، إذ في الحديث: " خير الأمور أوساطها"([47])، وقال الشاعر:

نجاة ولا تركبْ ذلولاً ولا صعباً

عليك بأوساط الأمور فإنها

وقال آخر:

خـير الأمــور الوســط

حب التنـاهي غلــط

 

 

 

مظاهر الوسطية في الإسلام

ولا يمكن الإتيان عليها كلها في مقالة أو كلمة، ولكن لنا أن نبرز أهم مظاهر الوسطية في الجوانب التالية: الفردية، والاجتماعية، والتشريعية:

مظاهر الوسطية في الجانب الفردي

(1) الجانب الفردي: إذ حمل الإسلام الإنسان مسئولية عمله، ولم يحمله مسئولية عمل غيره، مهما بلغت القرابة، ما لم يكن طرفا أو سببا.

{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى} [النجم: 36 - 41]، {كُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 13 - 15].

وهذه القيمة لها أثرها في حياة الإنسان وسلوكه، وتحمله المسئولية، وتحقيق العدالة والمساواة بين الخلق، وهي أصل ومبدأ من مبادئ الإسلام الراسخة، تقصر دونه كل المبادئ والقيم الأخرى، وقد رتب على هذا أن الجزاء مرتب على العمل، فلا أحد يظلم بحمل وزر غيره {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فاطر: 18] إلا إذا سلكت سبيل المضلين {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13]. فإنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم، وذلك كله من أوزارهم.

ولا أحد يعطى ثمرة عمل غيره ليحرم منها العامل، ولا يستحق أحد المكافأة إلا بعمل صالح، لا ينفعه في ذلك نسب أو حسب أو جاه، وهذه مبادئ لو طبقت في واقعنا العملي الحيوي لكان للمسلمين شأن آخر، وإنما أتي المسلمون من الغفلة عنها.

ومما يتعلق بالمسئوليات التوزيع العادل للمسئولية الاجتماعية قال r: "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَ

عدد القراء : 182