shikh-img
رسالة الموقع
واجب المؤمنين عند نزول القَدَر واجب المؤمنين عند نزول القَدَر: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ

تأملات في الكمال الإنساني

تأملات في الكمال الإنساني

 

الإنسان مُكوَّن من عنصرين: أرضي مادي، وسماوي روحي؛ وكلاهما محتاج إلى مادته المكملة لوجوده، فالمكون الأرضي حاجاتُه هي: إشباعُه من الطعام والشراب، ووسائل الراحة؛ من بيت، وأثاث، وسيارة، وغيرها من مكملات هذا العنصر.

العنصر السماوي الروحي له كذلك حاجاته التي تمدُّه بالحياة والوجود؛ وهي: الإيمان بالله، والرسل، واليوم الآخر، والإكثار من الأعمال الصالحة من الصدقة والبر... إلخ.

ولو تأمَّلنا حالَ الإنسان اليوم، نرى الغالب فيه السير لأجل إشباع حاجاته وَفْق الجانب الأرضي المادي فحسب؛ ولعل هذا هو سبب المشاكل في عالم الإنسان؛ ولذلك فالحفاظُ على الكمال الإنساني لا بد أن يكون من الجانبين، وعلى مستوى الفرد والجماعة.

 فالإنسان مثلاً إذا تعامل في حياته بعقلِه وهواه فحسب، سيَصطدِمُ بما يدور من حوله، ويعيش في ظلام وجهل، ويفعل أشياءَ تجعله محل سخرية واستهزاء من حوله؛ لأن حصر العمل وَفْقَ العقل وحدَه يورث النقصَ؛ لأن العقل ناقص وغير كامل، إلا إذا سانده الوحي الإلهي.

 وأيضًا إشباع الحياة بالماديَّات في غياب عن الروحانيات والوحي الإلهي، يكون ناقصًا أيضًا، انظر إلى حياة الناس، وتأثُّرهم بالماديات، وإهمالهم الجانبَ الروحي والوحي الإلهي، تجد أنه قد طغت الماديات على حياتهم، وخرجوا من الفطرة؛ فكانت الطامَّة بتسبب ذلك في قتل الملايين من البشر بالأسلحة المتطورة، والمدمرة للبشرية، التي استعملها ضدها في الحرب العالمية الأولى والثانية.

وكذلك فإن طغيان المادة تسبب في الفراغ الأُسري، ونقص في الفراغ العاطفي.

 كيف يكون الإنسان مستقيمًا وكاملاً، وما السبيل إلى ذلك في الحياة؟

1- الإيمان بالله ورسوله، واتباع نهجهما؛ فالفلاح والكمال يكمنان في اتباع أمرهما، واجتناب نهيهما، قال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آل عمران: 132]. 

والإيمانُ بالله يعني: الامتثال لكتابه؛ قراءة وتدبرًا لمعانيه، والاهتداء به وجعله منهاجَ الحياة، فالقرآن الكريم كتابُ هداية ونور، وهو للبشرية خير دستور تحيا به الحياة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء: 9]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 174]، وقال: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾ [الأنعام: 122]، فبدون كتاب الله لا تكتمل حياة الإنسان.

أما الإيمان برسول الله، فهو: الاقتداء بهديه صلى الله عليه وسلم، وبه يورث الكمال والسلامة؛ لأن الله شهد بكمال رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه، حيث زكَّى بصرَه؛ فقال: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ [النجم: 17]، وزكَّى خُلُقَه، فقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، وزكَّى عقله، فقال: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3، 4]، وهكذا شَهِد الله بأنه كامل، وأنه هو الجدير بأن يُتَّبعَ، وأنه القدوة الحسنة؛ فقال: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

 2- إحياء نظام الأخلاقيات، وتطبيق الآداب الحسنة الواردة في الشريعة الإسلامية على الحياة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بُعثْتُ لأُتمِّمَ مكارم الأخلاق"؛ [رواه أحمد، ومالك، والبخاري في الأدب المفرد].

وقد مدحه بها ربُّه، وشهد بكمال أخلاقه فيها، فقال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، ونعني بنظام الأخلاقِ: الأخلاقَ التي خطَّها لنا الله سبحانه ورسولُه، لا التي يصطنعها الإنسان ويهواها، والمخالفة لهما، فلكل إنسان خلق ومعالم وآداب، ولكنه ناقص فيها، وليس له الكمال بمعرفتها، ولا يعلمها إلا عن طريق ربِّه الذي خلقه، وعن طريق رسوله، الذي علَّمه وأدَّبه ربُّه فأحسن تأديبه.

3- الإكثار من الأعمال الصالحة، والازدياد منها، وكلُّ عمل وافقَ الكتاب والسنة مع إخلاص النية فيه، فهو عمل صالح، ومجالات الأعمال الصالحة كثيرة لا تُحصَى، أعظمُها الإيمان بالله ورسوله، واتباع الكتاب والسنة، وبرُّ الوالدين، والوفاءُ مع الأصحاب، والإحسان إلى الجيران، والصدقة، والزكاة، وصلة الرحم... إلخ.

4- إحياء المعاني الإنسانية: مِن صدق الضمير، والحب، والتعاون، والإخلاص، والوفاء، والبرِّ تجاه النفس والآخر.

5- تنميةُ العقل: فالعقل نعمة عظيمة وهبها الله لنا؛ نُفرِّقُ به بين الحُسن والقبح، وبه نرتقي إلى المعالي، وبه نتفاضل على الحيوانات إذا عمل الإنسان به، أما إذا جمَّده ولم يستعملْه في الشيء الذي وُضِع له، فسينقص الإنسان في دينه ودنياه بقدر عدم إعماله له، ويكون سببًا في عدم ارتقائه وزيادة شيء في حياته، فيكمل نقصه؛ لأنه أهمل محرِّكَ الكمال فيه؛ وهو العقل، وعليه فالمحافظ عليه حاصل على أعظم المكاسب.

6- عمارةُ الأرض: بتكنولوجيا العصر وتطوُّرِها، واستخدامها في مصلحة الإنسان، وهذه من عظيم مهام الإنسان في الأرض؛ وهي عمارتها وإنارتها للمشي في مناكبها، والاكتساب وطلب المعاش والرزق فيها، كما أمرنا الله سبحانه في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15].

 7- وباتباع هذه الخطوط وذلك النهج، نكونُ على طريق الكمال الإنساني في الحياة، ونكون مكملين ومجملين في الحياة، وبعدم السير عليها نكون ناقصين وأنانيِّين، ونصطدم بالمغريات والشهوات والظلام، ولا نُحِسُّ بالراحة والاطمئنان، ولا نجد السعادةَ، وتلك الخطوطُ والمناهج التي بيَّناها تقعُ ضمن الأعمال الصالحة، سواء كانت أعمالَ قلوب، أو أعمال جوارح، وكمالُ الإنسان يكمن ضمنَ ثمراتِ تلك الأعمال الصاحة، ويتبينُ من خلالها، وتلك الثمرات هي:

ثمرات الأعمال الصالحة:

أ‌. الحصول على السعادة والاطمئنان القلبي والنفسي؛ لأن السعادة ليست في المال والجاه وامتلاك العقل فحسب، بل السعادةُ تكون في الكمال الإنساني، ولا كمال إلا مع الأعمال الصالحة، وفي الالتزام بتعاليم الإسلام؛ من الصلاة، والصوم، والزكاة، وذكر الله، والاستغفار، والتوبة والإنابة والرجوع إليه، كما قال تعالى: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ﴾ [الأنعام: 122]، وقال: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، وقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28].

ب‌. ومن ثمرات الأعمال الصالحة: الحصولُ على رضا اللهِ، والفوز بجنته؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً *فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ [الفجر: 27 – 30].

 ج‌. ومنها: إقامةُ عمارةِ الأرض على يديه وَفْقَ التكنولوجيا التي وصل إليها الغرب؛ لأن العملَ الصالح يؤدي إلى المثابرة وإتقان العمل والجهد فيه، فلو كان مع هذا التقدم التكنولوجي عند الغرب يوجد النظام الإسلامي، لكان الكمال الإنساني في كل مكان وفي ذروته.

 وفي الختام نقول: الإنسان إذا حافظ على أسباب الكمال التي أوردناها، وراعى الجوانبَ التي بيَّناها، والتي تجبر تقصير الإنسان؛ سيَسعَدُ في الدنيا والآخرة.

عدد القراء : 98