shikh-img
رسالة الموقع
أول أيام شهر رمضان  للعام 1441 هجري هو يوم الجمعة الموافق لـ 24 / 4 / 2020 ميلادي وفقنا الله

الأحكام الشرعية المتعلقة بانتشار المرض الوبائي

الأحكام الشرعية المتعلقة بانتشار المرض الوبائي

فايروس كورونا المستجد (كوفيد-19).

الوباء Epidemic  الذي أصبح جائحة Pandemic

أولاً: إن هذه الأوبئة والفايروسات من قدر الله تعالى ومن الأدلة القاطعة المشاهدة على قدرة الله تعالى في هلاك من يريد هلاكه بأضعف جنوده {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ}، كما أنها من سنن الله تعالى يصيب بها من يشاء من المسلمين ومن غيرهم، ولكن المؤمن المصاب بها والصابر عليها له أجر الشهيد.

ففي صحيح البخاري (7/131)، (5734) عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْنَا: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ» . (فمكث في بلده صابرا) يبقى في بلده الذي وقع فيه الطاعون غير قلق ولا منزعج بل مسلما لأمر الله تعالى راضيا بقضائه.

ثانياً: يتوجب علينا أمران:

1- التوكل على الله تعالى حق التوكل، وأن كل شيء بقدره، وتحت قدرته وأنه (لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا).

2- الأخذ بالأسباب، ومنها الوقاية والعلاج والحجر الصحي، وكل ما تفرضه الجهات الصحية المختصة، وهذا يفسر موقف الفاروق عمر رضي الله عنه، حين امتنع عن دخول الشام، بعد أن علم أن الوباء قد وقع فيها، وقال له أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ فقال: “نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ”.

ثالثاً: أوجب الإسلام عند ظهور الوباء (الفيروسات القاتلة) مجموعة من التعليمات المهمة:

1- الحجر الصحي: أي عدم جواز الخروج من البلد الذي وقع فيه الطاعون أو الوباء، وعدم جواز الدخول إليها، فقد جاء في صحيح مسلم:” قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ ابْتَلَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَاسًا مِنْ عِبَادِهِ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَفِرُّوا مِنْهُ”.

والحكمة من هذا الحجر الصحي:

1- حتى لا ينتشر المرض، فيكون سبباً في إيذاء الأخرين، فيكون آثماً؛ لأنه ألحق الضرر بالآخرين، وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ”لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ”. فلا يجوز أن يتسبب الإنسان في الإِضرار بالآخر، لا في دينه، ولا في بدنه، ولا في عقله، وفي ماله، ولا في أي شيء؛ سواء كان الإضرار مادياً أم معنوياً، بل إن العلماء أكدوا على حرمة من يتسبب في انتشار العدوى.

2- المنع من دخول المنطقة الموبوءة؛ لحرمة الإلقاء بالنفس في التهلكة، أو فيما يسبب التهلكة؛ لأن الحفاظ على البدن والصحة والعقل من أهم مقاصد الشريعة الضرورية.

3- عدم مجاورة المرضى خشية العدوى، إلا للعلاج مع الأخذ بجميع وسائل الحماية الطبية، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنْ الْأَسَدِ”، ولا تناقض مع الحديث الصحيح “لَا عَدْوَى”؛ لأن المقصود به هو أنه: لا عدوى على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وأن هذه الأمور تُعْدِي بذاتها وطبعها، فهذا من ميزان الاعتقاد والإيمان بالله تعالى وعدم الإشراك، وأما الفرار من الأمراض المعدية فهو من ميزان الأسباب التي جعلها الله مؤثرة بقدر الله تعالى، ويؤكد هذا المعنى الحديث الصحيح الأخر بلفظ ” لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ”.

4- ضرورة الحيطة والحذر وعدم التعرض لأسباب التلف مع تفويض الأمر لله تعالى والتوكل الحق عليه، دون قلق ولا اضطراب، وقد ذكر ابن الأثير في الكامل في التاريخ أنه “حينما أصاب المسلمين طاعون عمواس خرج بهم عمرو بن العاص إلى الجبال، وقسمهم إلى مجموعات، ومنع اختلاطها ببعض، وظلت المجموعات في الجبال فترة من الزمن حتى استشهد المصابون جميعاً، وعاد بالباقي إلى المدن” وهذا هو الحجر الصحي المتاح في ذلك.

5- وجوب العلاج على الشخص نفسه، وعلى المجتمع والدولة أن تسعى بكل إمكانياتها لعلاج الأمراض، وبخاصة الأمراض المعدية، وأن الشخص الذي لا يعالج نفسه منها آثم.

6- وجوب الإفصاح، حيث يجب على كل من أحس بأنه قد أصابه هذا الوباء، أو أنه كان في بيئة موبوءة وخرج للضرورة.. أن يخبر الجهات المسؤولة بما هو فيه، وإذا أخفى ذلك فقد ارتكب جريمتين؛ جريمة الكذب والإخفاء والتدليس، وجريمة التسبب في إضرار الأخرين وانتشار الأوبئة، وكل من يصيبه هذا المرض بسببه يتحمل قسطه من الإثم والعدوان، قال صلى الله عليه وسلم:” الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ”.، فالمسلم الحقيقي يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، ويكره له ما يكرهه لنفسه.

7- وجوب الحذر والحيطة في حماية الأطعمة والأشربة من كل ما يفسدها، كما علمنا رسول الله: تغطية الأواني والأطعمة المكشوفة، وحفظها، ووجوب التداوي، وغسل الأيادي والأفواه، وحرمة التبول والتغوط في الطرق وتحت الأشجار، وفي الأماكن التي يصل أثارها إلى الأخرين.

فديننا دين نظافة الداخل والخارج (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)، وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، وهنا تأتي اعتناء المسلمين بالوضوء والغسل ونظافة الأبنية والأفنية وغير ذلك.

ومن ذلك ما رواه مسلم، عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنْ الطَّرِيقِ وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ”.

رابعاً: الخوف عذر لترك بعض الواجبات:

قال تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}.

استُنبط من هذه الآية الكريمة، ومن غيرها، ومن السيرة النبوية المشرفة أن الخوف يكون عذراً مقبولاً لترك بعض الفرائض والواجبات إذا توفرت شروطه، ومما يتعلق بموضوعنا هو ما يأتي:

1- ترك الجمعة والجماعة لأجل الخوف من انتشار الوباء بين المصلين: فقد ذكر الفقهاء أن الخوف من الأعذار المقبولة لترك الجمعة والجماعات، وهو ثلاثة أقسام:

1- أن يخاف المرء هلاك نفسه، أو إتلاف بعض البدن، أو الاعتداء عليه، أو ضربه ضرباً مؤذياً، أو خطفه، وأسره، أو تعرضه لهجوم السباع عليه، ففي هذه الحالة يجوز له ترك الذهاب إلى الجامع الذي يتعرض فيه لهذه الحالات.

2- أن يخاف المرء ضياع ماله إذا ذهب إلى أداء صلاة الجمعة والجماعات، بل إن الفقهاء قالوا بجواز ترك الجمعة إذا خاف من أن تأكل السباع دابته، ونحو ذلك.

3- أن يخاف على أهله وولده، كأن يكون في بيته طفل لا يجد من يرعاه، وهو يخاف من تعرضه للأذى، أو يخشى أنه لو صلّى الجمعة يموت قريبه في غَيبَتِهِ دون إسعافه، أو تلقينه الشهادة ونحو ذلك.

وقد توفرت الأدلة المعتبرة على أن وجوب الجمعة مشروط بما إذا لم يكن على الإنسان ضرر في نفسه، أو ماله، أو أهله، منها قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}.

ويعذر في ترك الجماعة والجمعة الخائف لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ”، والخوف ثلاثة أنواع “خوف على النفس، خوف على المال، خوف على الأهل”.

وبناء على ما سبق فيجوز ترك الجمعة والجماعة عند انتشار الأوبئة؛ لأنها مخيفة، ولكن ذلك مشروط بأن يكون الخوف محققاً، وليس مجرد وهم؛ لأن ترك الواجب لا يجوز إلا عند غلبة الظن، أو طلب أولي الأمر وأهل الاختصاص.

والمعيار في ذلك هو صدور أوامر حكومية أو صحية بغلق المدارس والجامعات والمساجد في المدن والمناطق التي يخاف من انتشار الوباء فيها ظن وصدر أمر بغلقها فيها، أما بقية المناطق التي لم تغلق فيها المدارس والجامعات فيجب أن تبقى المساجد والجوامع مفتوحة.

خامساً: الأدعية والتضرع إلى الله تعالى:

مع الأخذ بالعلاج المطلوب طبياً، يستحب أن يكثر المسلم عند وجود الأوبئة الإكثار من الأدعية الآتية:

{قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَاۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.

(بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) ثلاث مرات أو أكثر، ورد في الحديث أنه من قال هذا الدعاء “ثلاث مرات لم تُصِبهُ فُجأَةُ بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات لم تُصِبهُ فُجأَةُ بلاء حتى يمسي”.

(أعوذ بكلمات الله التامات من شرّ ما خلق) ورد في الحديث الصحيح أنك إذا قلته “لم تضرّك” أي لم تضرك شرور الخلق.

قراءة سورة الإخلاص ثلاث مرات، والمعوذتين ثلاث مرات، عند الصباح وعند المساء، وردت باستحبابها أحاديث ثابتة.

(اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ استُرْ عَوْرَاتي، وآمِنْ رَوْعَاتي، اللَّهمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَينِ يَدَيَّ، ومِنْ خَلْفي، وَعن يَميني، وعن شِمالي، ومِن فَوْقِي، وأعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحتي).

(لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) حيث ورد فيه “فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجيب له “

(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ).

(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَمِنْ سَيِّئِ الأَسْقَامِ).

الإكثار من قراءة القرآن الكريم، والذكر والتسبيح والصلوات على رسوله الكريم وآله وصحبه.

عدد القراء : 41