shikh-img
رسالة الموقع
                            &n

منع أسباب نزول المطر

خطبة منع أسباب نزول المطر

ألقيت في جامع الصديق بحلب

13/ 2 /2009

الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا الدين القويم وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي إلا بالله، نحمدك ربنا، ونستعينك ونستهديك، ونستغفرك، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأن أشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لطيف بعباده، {يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} [الشورى: 28]، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، أدى الأمانة، وبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة، وجهاد في الله حق الجهاد، وهدى الناس إلى طريق الحق والرشاد، وخطب يومًا فقال: «إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ»، [رواه أبو داود (1173)، وابن حبان (991)]، فادعوا الله، يا ربنا إنا ندعوك، نستغفرك، نتوب إليك، اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد معلم الناس الخير، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر أجمعين، وارضَ اللهم عن سيدنا أبي بكر وعن سيدنا عمر وعن سيدنا عثمان وعن سيدنا علي، وعن سائر الصحابة والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وارض عنا مثلهم يا رب العالمين.

أما بعد: فيا أيها المؤمنون، اتقوا الله في سركم وعلانيتكم، اتقوا الله في السراء والضراء، اتقوا الله في المنع والعطاء، فما تزود المسلم من دنياه لآخرته زادًا خيرًا من زاد التقوى، قال تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} [البقرة: 197].

يا عباد الله في كل آن، في كل زمان، في كل مكان، يبتلي الله عباده، ليسمع دعائهم، يبتلي الله عز وجل المؤمنين ليزيدوا اتصالهم به، وقد حدث هذا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أن شكَوْا إليه قلة المطر، وجدب الأرض، فعلمهم أن يلجؤوا إلى الله عز وجل، وقال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، [الرحمن الرحيم]، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ [أنت الله] لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ نستغفرك نتوب إليك».

علمهم أن يطلبوا من الله عز وجل، كل ما يحتاجون، حتى لقد ورد في الأثر: «يا موسى سلني حتى ملح عجينك»، الملح الذي هو من أجل الخبز، هذا نسأله من الله عز وجل، «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» [رواه الترمذي (2516)]، فاسأل إذًا ما تريد، ليس لخاصة نفسك، بل هو لعامة الناس، بل هو لكل البشر، بل هو للحجر والشجر، بل هو لكل كائن حي،  عندما يتأخر نزول المطر، مع الدعاء نبحث عن الأسباب، في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وَمَا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ إِلاَّ مَنَعَهُمُ اللَّهُ الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ» [رواه البيهقي (6626)، والطبرانى فى الأوسط (4577)].

اسأل.. اسأل نفسك عن الأسباب التي أخرت نزول الأمطار، لعل التقصير منك، قبل أن تلقي اللوم على الآخرين، حاسبوا أنفسكم قبل أن تقولون: الآخرون على خطأ، فلو رجع كل إنسان إلى نفسه، وخلا بينه وبين خالقه، ورفع بين يديه الدعاء، ولهج بالذكر والثناء، وطلب من المولى عز وجل، فإن باب الله واسع، وإن رحمته عامة، ولكنه أنذرنا فقال: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً} [الأنفال: 25]، اتقاء تلك الفتن، يوم كل واحد منا على ثغره، فاللهَ فاللهَ أن يُؤتى الإسلام من قِبَلك، فتبتعد عن منهج الحق، وتنحرف عن الصراط المستقيم، ولذا كثرت الابتلاءات، وكثرت الفتن، وكثرت المحن، والمعاصي والذنوب والأخطاء والآثام، فيتسع الخرق على الراقع، كيف نعود إلى ربنا وخالقنا وبارئنا، بالتوبة الصادقة أيها الأحباب، {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، أما إذا تاب البعض، أو تاب الفرد، فإن التوبة لم تكن عامة ولا شاملة، فهل يتحقق البلاء، أعيد قراءة الآية: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، فإذا ما صادفت توبتنا لله عز وجل زمانًا واحدًا، نظر إلينا بعين العناية والرعاية، وهذا ما نعتقده، فلتكن هذه الساعات، هذه اللحظات، فليكن هذا الوقت الذي نقضيه في بيت من بيوت الله، ساعة الصفاء والنقاء بينا وبين الله، ساعة التوبة والإنابة بينا وبين الله، أن نستغفر الله عما فات، ونستغفر الله عما في قلوب البعض عما هو آت، نعم، لقد نوى المؤمنون، أن يستغفروا ربهم، ويتوبوا إليه، ويتضرعوا إليه، ويرفعوا أيديهم بالدعاء طلبًا للماء استسقاءً، صلاة الاستسقاء دائمًا في نية وعزم المؤمنين، فأنزل الله الأمطار.

هل إنزال المطر في الأيام الماضية، ينسينا توبتنا واستغفارنا عما فعلنا في هذه الأيام، وهنا بين قوسين اسمحوا لي أن أقول: لما كان العزم والتصميم والإرادة على إقامة صلاة الاستسقاء بعد صيام ثلاث أيام وصلاة، كان المطر، فقال قائلهم: الحمد لله لقد نزل المطر، قال الآخر: إن نزول المطر عند نيتنا لصلاة الاستسقاء، ولله المثل الأعلى، يشبه ذلك الرجل الجالس في بيته فطرق عليه أحدهم الباب يتسول، يطلب صدقة، يطلب معروفًا، فما كان الذي جالسًا في بيته يعلم طالب المال فقير ملح، لا يريد أن يراه، قال: أعطوه قبل أن يطرق الباب، لا أريد أن سمع صوته، لا أريد أن أراه، لو توقفنا عند هذه الكلمات، هل عند إرادتنا وعزمنا لصلاة الاستسقاء نزل المطر، لأن الله لا يريد أن يسمع دعائنا، لأنا بعدنا عن طريق الحق، ولأنا تجنبنا طريق الخير، بل الإنسان على نفسه بصيرة، نزول المطر مع العزم المانع للمياه، البعض رآها شكرًا، والآخرون رأوها صرفًا.

فيا عباد الله على كل حال مطلوب منا أن نستغفر الله، على كل حال مطلوب منا أن نشكر الله، {وهو الذي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} [الشورى: 28]، لعل نزول المطر ليس من أجلك أيها الإنسان، فالبعض   فالبعض ظالم لنفسه، ولمن حوله، والبعض غاش في معاملته لله وللناس، فكان المطر من أجل الأطفال الرضع، من أجل الشيوخ الركع، من أجل البهائم الرتع، فلا تفرحن إذا ما أعطاك الله، فاشكر الله على تلك النعمة، ولا تنس محاسبة نفسك، لأن الله تعالى يقول: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96]، كانوا السبب التكذيب، وهل نزول المطر سبب التوبة والإنابة.

يا رب علمك بحالنا، يغني عن سؤالنا، ويجعلنا نطلب منك المزيد، يا ربنا إنك قلت: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]، فمفاتيح الغيث ومفاتيح الرزق بيده سبحانه وتعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: 59]، هذه مفاتح دلل عليها وأرشدك إليها إذ قال: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا} فالمفتاح الاستغفار، ثم وقال لماذا أراد أن تبتعد عن الأسباب، لماذا يحاول البعض أن يقول: وما علاقة التقوى والإيمان والاستغفار في نزول المطر من السماء، وإنما حياة كونية شتاء وربيع وصيف وخريف، الله فيما يقول.

اللهم أغثنا غيثًا مغيثًا، سحًا غدقًا، طبقًا مجللاً، عامًا غير خاص، اللهم أنبت لنا الزرع، أرد لنا الضرع، اللهم اجعلنا من الشاكرين، اللهم لا تجعلنا من القانطين، اسقِ قلوبنا بنور رحمته، واسق أراضينا بوابل الخير من السماء من عندك، {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22]، فقد وعدتنا يا رب وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار، اللهم إنا نسال أن تسقينا غيثًا وأن تنشر رحمتك على العباد، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم، فيا فوز المستغفرين.

عدد القراء : 144