shikh-img
رسالة الموقع
                            &n

شكر النعم

خطبة الجمعة

10 ذي الحجة 1412هـ                                                           11 حزيران 1992م

اتقوا الله ربكم، واذكروه يذكركم، واشكروه على نعمه وآلائه يزدكم،

واعلموا أن نعم الله تعالى على عباده أعظم من أن تحصى وأكثر من أن تعد، يقول تبارك وتعالى: ]وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها[ .

ونعم الله يمكن أن تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسة:

1-دنيوية: كالصحة والمال الحلال ...  .

2-ودينية: كالعلم والعمل الصالح والتقوى ...  .

3-وأخروية: كالثواب على العمل الصالح ...  .

والشكر على ثلاثة أقسام:

شكر باللسان: وهو التحدث بنعم الله وآلائه، امتثالاً لقوله تعالى: ]وأما بنعمة ربك فحدث[.

وشكر بالقلب: وهو أن يشهد الإنسان أن كل نعمة به أو بأحد من العباد هي من الله، كما يقول عز وجل ]ومابكم من نعمة فمن الله[ .

وشكر بالأركان: وهو العمل لله تعالى، قال تعالى مشيراً إلى أن الشكر هو العمل: ]اعملوا آل داود شكراً[.

وقد أوضح النبي r ذلك عملياً، حين كان يقوم الليل كما روت السيدة عائشة رضي الله عنها، كان النبي r يقوم من الليل حتى تنفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يارسول الله، وقد غفر لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: {أفلا أكون عبداً شكوراً}.

فهلا شكرت الله على ما أعطاك وأمدك بلسانك وقلبك وبعملك وفعلك وسلوكك.

رزقك رزقاً حلالاً واسعاً، فهلا كنت من المتصدقين، أم أنك تحب أن تكون من الكانزين، البخيلين.

رزقك رزقاً حلالاً واسعاً، فهلا كنت من المضحين، أم أنك تحب أن تكون من الجاحدين المتنكرين لنعم الله عليك.

إياك أن تتأخر عن الشكر، فتقع ضمن من وصفهم الله بعدم الشكر، وهو معظم الناس بالرغم من نعم الله عليهم وسعة فضله وجوده وإحسانه يقول تعالى: ]إن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون[.

واعلم أن الشكر خير وسيلة لبقاء النعمة واستمرارها، فقد وعد الله تعالى المؤمنين أن يزيد نعمه عليهم إذا هم قابلوها بالشكر، فقال: ]لئن شكرتم لأزيدنكم[ والحقيقة أن الشاكر يجلب الخير لنفسه حين يشكر الله تعالى، إذ بشكره يغنم مزيداً من نعم الله تعالى واستمرار فضله وعظيم حبه وجميل ثناءه، قال تعالى: ]ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم[.

والشكر يتبع الذكر، حيث أن الذاكر لله ماهو إلا شاكر له بلسانه، ومن هنا جاء الربط في قوله تعالى: ]ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على مارزقهم من بهيمة الأنعام[ ليذكروا اسم الله أي يشكروه سبحانه على مارزقهم وأعطاهم من الإبل والبقر والغنم، ثم بين الله U كيفية توزيع الأضحية فقال: ]فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير[.

في هذا اليوم المبارك،       ذكرى التضحية الكبرى والفداء العظيم. تفضل الله فيها فجعلها أطيب أيامنا، وأكرم مواسنا، لأنها تحمل ذكرى أعظم فداء، قدم لله على وجه الأرض.

رسول من رسل الله الأكرمين، قطع مراحل العمر إلا قليلاً ولا ولد له، ثم رزقه الله الولد، على ضعف الشيخوخة وانقطاع الحياة، فحمداً لله حمداً جليلاً، بعد أن صبر صبراً طويلاً وجميلاً.

وبينما الطفل في أيامه الأولى، أوحى الله إلى أبيه الشيخ أن يذهب به إلى منقطع من الأرض في صحراء الحجاز ويتركه هناك حيث لازرع ولاضريح، ولادار ولاجار،       وتلقى الرسول أمر الله بالصبر والسكينة والرضا والتسليم.

وهناك في واد قفر بين جبلين شامخين ترك الأب الشيخ ولده الحبيب وزوجته الصابرة، ولم يترك لهما إلا دعوته الصالحة ]رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون[.

وغاب الأب اثني عشر عاماً. ثم عاد، فإذا الطفل فتى يملأ العين نمواً وسمواً وإذا عين مباركة فجّرها الله له، وإذا ناس أفاء ساقهم الله إليه. وإذا الفتى عوده أبيه في بناء الكعبة، وساعده الأيمن في حمل متاعب الحياة. فامتلأ قلب الرسول شكراً لربه، وفرحاً بابنه، وقوة بمعونته.

لكن الله تعالى لايترك الشيخ العظيم، حتى يمتحنه الامتحان العظيم، فأراه في غفوة الليل أنه يذبح ولده في وضح الصبح، ونهض الرسول من نومه غير شاك ولامرتاب، فانتحى بولده مكاناً قصياً، عند الصخرة الكبرى، من وادي منى، والعزم واليقين ملؤ قلبه، والحبل والسكين ملؤ يده، وهناك ألقى على ابنه أمر الله، إذ قال له: ]يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فنظر ماذا ترى[ ]قال ياأبت افعل ماتؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين[.

فودع الوالد ولده، وودع الولد أباه، واعتنقا هنيهة، وبكيا هنيهة، وأفاق الرسول لأمر الله، فأوثق الفتى وألقاه على وجهه وأجرى السكين على قفاه فلم تقطع، فألقاه على ظهره، فنظر الفتى إلى أبيه فقال له: ياأبت كف ثوبك عني حتى لايتلطخ بدمي فتحزن عليّ أمي، ياأبت تلطف لها في نعيي، وأقرأها السلام مني، وقل لها: موعدنا الجنة إن شاء الله. وتقدم الأب، فأجرى السكين على عنق ابنه فلم تقطع شيئاً، فوقف الأب حائراً فيما عساه فيصنع لإنفاذ أمر الله، وهنالك سمع النداء، يتردد بين آفاق السماء ]ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين[ وأنزل الله من لدنه كبش الفداء على إمام الحنفاء وشيخ الأنبياء.

فالإسلام في روحه وجوهره، وفي معناه لفظه، شكر لله وإخلاص له، يسمو عن الأهل والدار والمال والبنين.

وهكذا كانت الأضحية سنة أبينا إبراهيم عليه السلام، والحكمة من تشريعها شكر الله على نعمه المتعددة وقد ثبتت مشروعيتها بالكتاب والسنة.

يقول الله عز وجل: ]فصل لربك وانحر[ ويقول تعالى: ]والبدن جعلنا لكم من شعائر الله[.

وفي الحديث عن عائشة t عن النبي r: {ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله تعالى من إراقة الدم، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً[.

وعن أنس t قال: "ضحى رسول الله r بكبشين أملحين [أبيضين، أو بياضها أغلب من سوادها] أقرنين فرأيته واضعاً قدميه على صفاحها يسمي ويكبر فذبحهما بيده".

ويقول النبي r: {من وجد سعة، فلم يضح، فلا يقربن مصلانا}.

ويشترط لصحة الأضحية: سلامة الحيوان المضحى به من العيوب الفاحشة التي تؤدي عادة إلى نقص اللحم، أو تضر بالصحة.

ووقت التضحية: يبدأ من اليوم الأول من أيام العيد بعد أداء الصلاة، كما جاء في حديث البراء بن عازب قال: قال رسول الله r: {إن أول ما نبدأ به يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء}. ويمتد وقتها إلى ثلاثة أيام، يوم النحر ويومان بعده.

ومن السنة أن يدعو المضحي فيقول: اللهم فيك ولك، صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، بسم الله والله أكبر، اللهم تقبل مني، كما تقبلت من محمد نبيك ومن إبراهيم خليلك.

بالأمس كان الحجيج في عرفات، على ألسنتهم دعوات، وفي قلوبهم تضرعات، ومن مقلهم انهمرت العبرات، عبرات التوبة والرجاء شاكرة لله على نعمه، حامدة لله على آلائه.

وأشهد أن لا إله إلا الله تعهد أنه سيزيد نعمه للمؤمنين، إذا كانوا له حامدين، ولنعمه وآلائه شاكرين، وقد مدح عدداً من النبيين، وذلك في كتابه المبين، لأنهم كانوا من عباده الشاكرين.

عدد القراء : 57