shikh-img
رسالة الموقع
                            &n

الاستنساخ بين العلم والدين

جامع الغفران بحلب الجديدة

التاريخ: 11/ذي الحجة/1417هـ.

الحمد لله ثن الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله.

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلّ له، ومَن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.

وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أدى الأمانة، وبلّغ الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في سبيل الله حق جهاده.

اللهم صلِّ وسلّم وبارك على هذا الرسول الكريم، وعلى آله وصحابته أجمعين، ومَن سار على نهجهم، وتخلّق بأخلاقهم إلى يوم الدين.

وارض اللهم عن سيدنا أبي بكر، وعن عمر، وعن سيدنا عثمان، وعن سيدنا علي، وعن سائر الصحابة والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وارض عنّا مثلهم يا رب العالمين.

أما بعد:

فإن الناس في مجالسهم وسهراتهم، ولقاءاتهم، يتجاذبون أطراف الحديث، وغالباً ما يكون الكلام عن الجديد، في ما يسمعون أو يقرؤون أو يشاهدون.

ومن الجديد في الأشهر القليلة الماضية، قضية الاستنساخ.

التي روَّجت لها وسائل الإعلام المختلفة ترويجاً كاملاً، بحيث لم تجد فرصة إلا وذكرت فيه هذا الموضوع، إما بحقيقة أو خيال، بأسلوب علمي، ولقاءات صحفية، مع أطباء وفقهاء.

والإعلام الغربي عندما يروّج مثل هذه القضايا، فإنه يهدف من وراءها شيئاً، إذ ليس هو بالإعلام الغبي، بل هو إعلام منظَّم هادف.

ولعل الغرب أراد من رواء ترويج هذه القضية: الإساءة إلى الإسلام، وزعزعة العقيدة الصحيحة، وزلزلة الإيمان من النفوس عند ضعفاء الإيمان من المسلمين، فهم يقولون بلسان حالهم أحياناً، وبلسان قالهم أحياناً.

ها هو العلم الحديث استطاع أن يستنسخ _ يخلق _ ينتج _ شيئاً جديداً، فما موقف الدين من هذا العمل، وأين إيمانكم بأن الله هو الخالق، ها هو العلم الحديث يخلق.

يقولون: إذا أردت عدداً من شكل معين، لمخلوق معين، فها هو العلم الحديث يحقق لك هذه الرغبة.

حتى لقد شطح الخيال ببعض الإعلاميين، فقالوا: يمكن للعلم الحديث أن ينتج عدداً من الشخصيات المعروفة في التاريخ.

وزاد الأمر، حتى ظن بعض مَن شاهد: أن الخراف والأغنام بدل أن تتكاثر عن طريق الولادة، استطاع العلم الحديث أن يكاثرها عن طريق البيض.

خيالات وأوهام !!!!

حقائق وأرقام !!!!

اختلطت على الناس، والمسلمون _ كعادتهم _ مغلوبون على أمرهم، يتبعون الغالب فيما يقول، وفيما يروّج لهم، وترى بعضهم يتسرع في الفتيا والجواب.

ردود أفعال، كلام إنشائي، وليس بحثاً علمياً دقيقاً.

وقد تعرض لهذا الموضوع الأطباء والفقهاء .. الأطباء مع عجزهم من الناحية الفقهية والتشريعية، والفقهاء مع عجزهم من الناحية الطبية.

أيها المسلمون:

في مثل هذه القضايا، لا يمكن أن يبيت بأمرها فرد واحد، فهي قضايا مستجدة، لا نص فيها في كتاب الله U ولا في سنة رسول الله r، فالقرآن قواعد عامة، وكلام النبي r أطروحات عريضة، وما على المسلمين _ الآن _ إلا أن يكون لهم اجتماع من كافة الاختصاصات المعنية، ليعرفوا حكم الله U في هذا الأمر، إذ معرفة الحكم مبنية على معرفة المحكوم عليه.

إذا لم أكن أعرف ما هو الاستنساخ؟ وما حقيقته؟ فكيف لي أن أقول: إنه حلال أو حرام.

أيها الأخوة:

في هذه الخطبة سنحاول أن نستشف الحقيقة، ولو بجزء منها، فنقول: إن آلية التكوين، ومراحل الخلق، وعملية النمو، عند الكائنات الحية، وبخاصة عند الإنسان، قد ذكرها الله U في القرآن الكريم، حيث بيّن أن نطفة من الرجل تلتقي مع بويضة من المرأة فيتم التلقيح، هذه النطفة تنمو لتكون علقة، والعلقة تنمو لتصير مضغة، ثم تكون عظاماً، ثم يكسى العظام باللحم، فإذا اكتملت مراحل النمو نـزل الجنين ذكراً أو أنثى.

يقول الله U عن ذلك: ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً [ [الحج:22/5].

مراحل التكوين والخلق والنمو هذه، حاول العلماء دراستها، ومعرفة أسرارها، وهذا مطلوب في الإسلام بقوله تعالى: ] وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ [طه:20/114].

فالواجب على المسلم أن يطلب الزيادة في العلم ليصل إلى الحقائق.

فعلماء الغرب أرادوا أن يصلوا، فعرفوا البداية ولم يدركوا النتيجة، ولكن المسلمين متخاذلون قاعدون عن العلم؛ ويقولون: إن هذا من علم الغيب، فإلى متى سنبقى تابعين غير متبوعين؟

علماء الغرب نظروا إلى البويضة الملحقة، فوجدوها تحوي على ستاً وأربعين مورثاً صبغياً [الجينات]، فمن أين جاءت هذه المورثات؟.

درسوا، بحثوا، دققوا، فوجدوا أن الخلايا الجنسية تحوي ثلاثاً وعشرين مورثاً فقط، أما سائر الخلايا فتحوي ستاً وأربعين.

فالعلقة اكتسبت ثلاثاً وعشرين مورثاً من نطفة الرجل، وثلاثاً وعشرين مورثاً من بويضة المرأة.

هذا هو الأمر الطبيعي الذي أوجده الله في التكوين والخلق، فقالوا: لماذا لا نجرِّب؟ نريد أن نجعل مخلوقاً يشبه بالكامل أباً أو أماً، رجلاً أو امرأة، بدل أن يكتسب النصف من طرف آخر.

فأخذوا خلية حية كاملة من الرجل _ غير الخلية الجنسية _ وأخذوا بويضة من المرأة فنـزعوا منها النواة التي تحوي المورثات، وتركوا الغذاء فيها، وبتحريض كهربائي تم التلقيح بين الخلية الحية والبويضة منـزوعة النواة، ثم وضعوا البويضة الملقحة في الرحم، وانتظروا … أمر الله.

هذا كل ما فعله العلماء، وما فعلوه كان تجريبياً  في الحيوانات، ولم يصلوا إلى الإنسان بعد، حتى في تجاربهم على الحيوانات لم تنجح معهم إلا عملية واحدة من أصل مئتين وتسع وسبعين عملية.

إنما هو تجريب!!

إنما هو علم وبحث وتدقيق!!

فما الذي فعلوه؟ وما الذي صنعوه؟

هل هو خلق أم اكتشاف؟!

إن المولود الجديد _ بعد أن أذن الله بحياته ونفخ فيه من روحه، ] مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ [، لم يتأثر من صاحبة البويضةـ وإنما كان متماثلاً في الشكل لصاحب الخلية الحية.

إن كل ما فعلوه، أنهم اطلعوا على جزء من علم الله، فالله تعالى يقول: ] وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً [ [الإسراء:17/58]، اطلعوا على جزء من علم الله في التكوين والخلق والإيجاد، استخدموا العلم والمخترعات ليصلوا إلى ما أرادوا، فهم لم يخلقوا ولم ينتجوا، بل اكتشفوا سراً من أسرار الله، وعلماً من علوم الله.

ألم يقل الله U: ] عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [ [العلق:96/5]، بلى.

ألم يقل الله تعالى: ] قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً [ [الكهف:18/109].

إذن: ليبقَ إيماننا قوياً بالله U، بأنه وحده سبحانه الخالق، وبأنه المُوجد، قال تعالى: ] اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ [الزمر:39/62].

هل استطاعوا خلق الخلية الحية الأولى؟ لم يستطيعوا ولن يستطيعوا.

هل خلقوا هذا المولود وأوجدوا من عدم؟ لا، ولن يستطيعوا.

] أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [ [الطور:52/35].

مَن الخالق؟

أنه الله U.

أيها المؤمنون:

إذا كان هذا هو الاستنساخ، فلماذا الاستغراب؟ لماذا زاغت الأبصار؟ لماذا تحيرت العقول والأفهام؟.

هذا هو الإنسان في الماضي عندما اكتشف النار للمرة الأولى، وجعلها مصدر دفء ومنبعاً للطاقة، لم نقل عنه بأنه خَلَق النار.

وبعد اكتشافه الطاقة الذرية والنووية، هل قلنا: بأنه الخالق؟ لا.

والآن نسمع عن طاقة الهيليون، التي تنبعث من قرص الشمس.

إذن، كل الاكتشافات هي جزء من علم الله تعالى، والعلماء أنفسهم يقرون بالعجز، ويؤكدون: بأن الطاقة المخزونة في عقل الإنسان _ والتي خلقها الله فيه _ لم يُستخدم منها سوى 2% أو 3% فقط.

فالباحثون استخدموا عقلهم المخلوق في التعرف على كيفية خلق مخلوق آخر.

في التعرف على الكيفية وليس في الإيجاد والخلق.

فهذه الموجة العارمة، ربما ولّدت عند بعض المسلمين حالة إحباط إيماني، لذلك كان موضوع الخُطبة في هذا المجال، لتثبيت إيمان المسلمين، ] وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِيمَاناً وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً [ [المدثر:74/31].

أيها الأحبة:

إذا وصلنا إلى بيان الحكم الفقهي الشرعي لهذه المسألة، فنقول: إن كل جديد، لا نستطيع أن نتسرع فنقول: إنه حرام مطلق، أو أنه حلال مطلق، فالعبرة بالهدف والغاية، والمقصد والنتيجة.

وقد بين العلماء مقاصد الشريعة:

[حفظ الدِّين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العِرض، وحفظ المال].

فكل جديد يُعرض على هذه المقاصد، فما كان محققاً لها ومتوافقاً معها، فهو حلال، وما كان مناقضاً لها أو لواحد منها، فهو حرام.

فعملية الاستنساخ لم تظهر نتائجها ولم تعرف أغراضها بشكل تام، فالباحثون عرفوا البداية ولم يدركوا النهاية، وهذا هو الفارق بين الحضارة الإسلامية والمدنية الغربية.

إذ لا غرض للغرب إلا الحاضر، لا هدف لهم إلا تحقيق الأرباح سريعاً، دون تطلع إلى المستقبل، وكيف ستكون الأمور.

انظر إلى ما فعلوه في السابق؛

اكتشَفُوا الدخان .. اكتشَفُوا المخدرات.

زرعوها في عقول الناس وأجسامهم وتفكيرهم، وأفلتت من أيديهم، ولم يستطيعوا السيطرة عليها، فماذا كانت النتيجة؟

وباء، وأمراض، وأورام، وسرطانات، لم تكن معروفة في الماضي.

والاستنساخ بدأ في النبات قبل أن ينتقل إلى الحيوان، وقبل أن يفكروا في الإنسان.

فلننظر إلى ماذا حقق لنا الاستنساخ النباتي.

إنه طعام، والطعام ضروري، والغذاء مفيد، ولكن هذه النباتات المزيفة، لأنها بتدخل من الإنسان في عملية النمو، أنتجت أوراماً خبيثة، وأمراضاً مؤذية.

وكذلك الأمر هنا: الاستنساخ البشري فيما لو تحقق؟ ما النتيجة؟ مت غرضه؟ ما هدفه؟، الباحثون لا يهتمون بهذا لذلك رأيت أن المنظمات الدولية ورؤساء الحكومات الكبرى خطرت هذا … البحث والتعمق فيه، لوجود نتائج خطيرة، وأمور سلبية.

ولا مانع أن نتعرف على بعضها:

  1. يمكن للمرأة أن تنجب ولداً بدون زوج، بأن تأخذ خلية حية من جسمها، أو من جسم امرأة أخرى، ويتم التلقيح مع بويضتها منـزوعة النواة، فيتكون الولد.

 هذه هي البرازيل الآن، تشكوى، وينادي قِسٌ في البرلمان: إلى متى ستعاني من أزمة الأطفال بدون آباء، ثمانمئة ألف طفل بدون أب، لماذا لا نستفيد من تجربة الآخرين! ها هو الإسلام قد وضع نظام الأسرة! وتكوينها على أساس سليم وشريف.

إذا وجد هذا العدد الهائل من الأطفال والتلقيح طبيعي، فما بالك لو صار التلقيح صناعياً واكتفى النساء بالنساء!!!

  1. ستأخذ الزوجة خلية حية من زوجها ويتم التلقيح الصناعي في بويضتها منـزوعة النواة، فأين عاطفة الأمومة؟

وهي تعلم أن ولدها لم يكتسب منها شيئاً، كل مورثاته من أبيه، فقط كانت هي وعاءً، فهل ستشفق عليه؟ هل سترحمه؟

أين الأسرة؟ أين الأب ومَن هو؟ أين الأم ومَن هي؟

لو قرأت الاستطلاعات الحديثة عن الأسرة في ألمانية، يا للغرابة!!

الأسرة هناك مكونة من أم وولد وكلب.

شتان بين منهج الحضارة الإسلامية، والمدنية الغربية.

شتان بين منهج الله، ومنهج الخلق.

وأخيراً نقول: إنهم عندما استنسخوا، استنسخوا الشكل والصورة، دون أن يصلوا إلى التفكير والقلب والروح.

فما المولود المستنسخ إلا صورة وليس حقيقة ولا مضموناً عن المستنَسخ منه.

أيها المؤمنون:

ينبغي ألا نضعف أمام الترويج الكاذب.

ينبغي ألا ننخدع بالطبل والزمر والدعايات المزيفة.

فما هي إلا مظاهر خادعة، والعلم لا يكون حقيقياً إلا إذا كان نافعاً ونبينا r يقول: " الخلق كلهم كل عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله ".

ألا فلنلكن على معرفة بديننا، وعلى حذر مما تسمعه أو نشاهده أو نقرؤه.

نسألك يا ربنا أن تقوي إيماننا، وتثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

أقول هذا، وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين.

 

 

 

عدد القراء : 20