shikh-img
رسالة الموقع
عدنا إليكم أعزائي المتابعين بثوب جديد آملين أن ينال الموقع رضاكم، ويحقق الأهداف الدعوية المرجوة خدم

مفهوم الإيمان عملياً

مفهوم الإيمان عملياً

التاريخ: 17/رجب/1422هـ، 5/10/2001م.

جامع أبي يحيى الكواكبي - حلب

الحمد لله ذي الفضل والإحسان، يمن على مَن يشاء بهدايته للإيمان.

وبعد:

أيها الناس: اتقوا الله، واعلموا أن أعظم نعمة ينالها العبد هدايته للإيمان.

اللهم حبِّب إلى قلوبنا الإيمان، وكرِّه إلينا عمل الفسوق وفعل العصيان، وأبعدنا عن الكفر وأخرج من نفوسنا الطغيان.

أيها المؤمنون:

عود على بدء، واستمرار للموضوع، في قضية الإيمان، فكما علمنا أن الإيمان من الأمان وليس من التمنيات، وأنه من الأمن وليس من التمني.

فما تقولون في رجل يقول: أتمنى أن أكون مؤمناً، وهو بعيد عن العمل الصالح، والسلوك القويم!!!.

وما قولكم في إنسان يتمنى أن يكون مهندساً بارعاً وهو لا يعرف العد من الواحد إلى العشرة!!!.

وما رأيكم فيمن يقول: أتمنى أن أكون أستاذاً في الجامعة، وهو لا يعرف فك الخط ولا ضبط الحروف ولا تشكيل الكلمات.

ألا توصف أمنيات أمثال هؤلاء الأشخاص بالجنون أو التخريف.

كذا حال الإنسان مع الإيمان، عندما يراه الناس، أما أن يعجبهم حاله فيتبعوه، أو ينفِّرهم  تصرفه فيهملوه.

هذا وإن أقل سؤال يمكن أن نسأله لصاحب الأمنية: ماذا قدَّمت من الأسباب، وما الذي تملكه من الوسائل الموصلة إلى تلك الأمنيات الكبيرة؟.

وفي موضوع الإيمان: كل المسلمين قدَّموا اللفظ: فالكل والحمد له يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ولما قَدِم البدو من أطراف الحجاز إلى المدينة المنورة لإعلان إسلامهم أمام رسول الله r، عبَّروا عن حالهم بأنهم مؤمنون، فوصف الله شأنهم بقوله: ] قَالَتِ الأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ، وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(14)إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [[الحجرات: 49/14-15].

وأكثر المسلمين قَرَنَ اللفظ مع التصديق القلبي، وجمع إليه اليقين الداخلي بعظمة الله I، وخشيته والخوفِ من عذابه.

ولكن القليل من المسلمين في هذا الزمان، القليل القليل مَن جمع إلى اليقين واللفظ: السلوك والعمل.

وهذا التقسيم ليس على صعيد الإيمان فحسب، بل نراه ونلحظه في كل مجالات الحياة؛ اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، فما أكثر القائلين وما أقل الفاعلين!!!، وما أكثر الناعقين، وما أقل المتصرفين!!!.

وفي معرض ذكر أصناف الخلق عرض الله I صفات بعض الناس ممن يدعي الإيمان ادعاءً ويظن أنه مظهر، وهو بعيد كل البعد عن الحقيقة والجوهر، قال الله I : ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ(8)يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [ [البقرة:2/8-9]، والمخادع والغشاش، والمحتال والكذَّاب لا استمرار لعمله، ولا قيمة لتصرفه، إذ مهما طال زمن تخفيه، سيأتي يوم يُكشف فيه على حقيقته.

اعذروني أيها الإخوة، وسامحوني أيها الأحبة في إطالة الحديث عن مفهوم الإيمان، فإنما يتم التركيز على جانب العمل بحقيقة الإيمان، والتطبيق الواقعي لهذا الدين، لأن ذلك هو الثمرة الطيبة، والنتيجة المرجوة في الدنيا والآخرة.

فما مَثَل الإيمان إلا كمَثَلِ نبتةٍ صالحةٍ، غُرِسَت في تربة طيبة، ينتظر زارعها الثمرة الناضجة.

ولذا يحسن السؤال: ما أثر الإيمان في حياة المسلمين!!!، وما تأثير الإيمان في معاملاتهم وسلوكهم!!!، وما مدى انسجام السلوك اليومي مع اليقين القلبي والكلام اللساني!!!، أين الأداء الطيب في الحياة!!!، أين النفس الرضية في التعامل!!!، أين حسن العشرة فيما بين المسلمين!!!، أين الأخلاق الفاضلة فيما بين المؤمنين!!!.

فما المعاملات إلا انعكاسات عما في النفوس، وإظهارات لمكنونات القلوب، ففي الحديث: " من أصلح  فيما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح جوانيه أصلح الله برانيه، ومن أراد وجه الله أناله الله وجهه ووجوه الناس، ومن أراد وجوه الخلق منعه الله وجهه ووجوه الخلق ".[الفردوس بمأثور الخطاب ج: 3 ص: 581].

ولعل أصدق صورة واقعية لِمَن حمل مفهوم الإيمان عملياً؛ قولاً وفعلاً، لفظاً وسلوكاً وأخلاقاً، هم الصحابة الكرام، ألحقنا الله بهم.

فالإيمان يعني القوة، ويعني العزة، وقد كان الصحابي يدخل على الملوك والأمراء، وأصحاب الجاه وقادة الجيوش، فيسيطر على الموقف، بكلمة صادقة نابعة من قلبه، وتوجيهٍ أمين مستمد من عقيدته.

أما مؤمن اليوم فلعل حظه من الإيمان كلمة يقولها، وعبارة يرددها، وربما ركيعات يؤديها، وليرات للفقير يعطيها، ومعدة في نهار رمضان يجيعها، ونفس في سفره إلى الحج يرهقها ويتعبها، وأما ما وراء ذلك فإنه غير موجود، وهو أمام الحقيقة فمفقود.

معشر المسلمين:

اسمحوا لي أن أعرض مثالاً من موازين العمل بحقيقة الإيمان، لينظر الواحد منا إلى ذاته، ومدى قبوله بالحق أو استجابته له؟، ولعل هذا المثال يعطي صورة عن بقية التصرفات.

ففي إطار التحاكم عندما تحصل مشكلة مع المسلم، وما أكثر المشاكل في هذا الزمان، فإنه لا شك يبادر إلى حلها، ويسارع إلى معرفة جوابها، وهنا يظهر مدى قوة إيمانه ويقينه، وعقيدته وتكوينه، كل حسب ما في داخله!!!.

فترى أهل الإيمان يتحاكمون عند النـزاع والاختلاف إلى كتاب الله وسنة رسولهr، قال الله I عنهم: ] إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [[النور:24/51].

وأما أهل النفاق فإنهم يعرضون عن حكم الله ورسوله، ويأبون التحاكم إليهما، يحجبهم عن ذلك: أهواء نفوسهم، أو وسوسة شيطانهم، ولعل بعضهم يرفض الرجوع إلى الشرع صراحة، ويتبجح بكلمات لا يدري أنه يهوي بها في نار جهنم  إذ يقول: إن الشريعة كانت صالحة لزمان سبق، ولعصر خلا، واليوم هو عصر الحداثة والتطور، والمرجعية إلى الإنسان الحضاري، لا إلى كتاب الله وسنة رسوله r، ولا إلى كتب فقه عفى عليها الزمن، أو كتب تفسير أكل عليها الدهر وشرب.

وترى بعضهم يتفاخر بالتحاكم إلى الطواغيت والرجوع إلى القوانين الوضعية، فعلى مستوى الفرد يتسابق إلى الألحن بلسانه أو الأكبر بجاهه، بحجة أنه يوصله إلى مقصوده، حقاً كان ما يريد أم باطلاً، وعلى مستوى المجتمعات يرفعون الأمر إلى هيئات عالمية ومؤسسات دولية.

 وفي هؤلاء المنافقين يقول الله I: ] وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ(47)وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ(48)وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ(49)أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ، بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ [[النور:24/47-50].

ويقول الله U: ] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا(60)وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [[النساء:4/60-61].

ثم إن الناس قد اخترعوا أمراً آخر، وابتدعوا أمراً جديداً، وهو أن أصحاب المهن والصناعات، وأهل الحرف والتجارات، يتحاكمون إلى العرف السائد، والعادة المعروفة لدى أهل اختصاصهم.

وإنما أقر الإسلام الرجوع إلى العادة، وسؤال أهل العرف عندما يكون أهل العرف من أهل الإيمان، وعندما يكون أهل العادة من أهل الإسلام.

وإنما يُرجع إلى العرف فيما ليس فيه نص من القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة.

أما الأصل فأن يرجع المسلمون في حل مشكلاتهم إلى أس التشريع: القرآن والسنة، يقول الله I: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [[النساء4/59].

ويقول الله I: ] فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [[النساء:4/65].

عباد الله:

إن الإيمان الحقيقي يكون بالعمل والتطبيق الصحيح، والسلوك القويم، والاعتصام بحبل الله المتين، والتمسك بشريعة الله الصافية النقية، وإلا فما فائدة أن نقول: إنا مؤمنون!!!، وما فائدة تمنياتنا أو تصوراتنا عن الإيمان!!!.

هل رأيتم عاقلاً يريد من صورة امرأة: أن تكون زوجة لإنجاب أطفاله؟.

هل رأيتم كامل عقلٍ يريد من سيارةٍ ورقية أن توصله إلى عمله؟.

هل رأيتم رجلاً سوياً يرغب من مُجَسَّم طائرة أن تكون وسيلته في سفره؟.

فالناس يتمنون، وما أكثر أمنياتهم؟.

يتمنون السعادة، يتمنون الجاه والعز، كل حسب أمنيته؟، فهل علمتم أمنية تتحقق بلا جهد أو تعب؟.

كذلك الإيمان لا يكون بالتمني، بل يكمل بالأخلاق وحسن المعاملة، بعد التلفظ باللسان والإقرار بالجَنان، والاحتكام إلى شرعة القرآن، ونهج النبي العدنان r.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

عدد القراء : 27