shikh-img
رسالة الموقع
                            &n

تفسير سورة الفلق

2 جمادى الثانية 1413 هـ                                                27 تشرين الثاني 1992 م

أشهد أن لاإله إلا الله، أمان الخائفين، وجار المستجيرين، ومعيذ المستعيذين، وملجأ الملتجئين.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كان يتعوذ بالله من كل سوء وشر، تعوذ بالله من القلة والفقر، ومن الذلة والخيانة، وتعوذ بالله من الأسقام والفتن، والعجز والكسل، تعوذ بالله من شماتة الأعداء وجار السوء. تعوذ بالله من تخبط الشيطان ومن الضلال، ومن شر السمع والبصر، ومن العين اللامة. وعلم أصحابه والمؤمنين أن يلتجئوا إلى الله ويستعيذوا به.

لما خلق الله الخلق، وضع لكل شيء فيه قانوناً، وجعل فيه طبيعة يسير عليه، وهذه القوانين تخضع لمن خلقت من أجله، وهذا من كمال قدرة الله U، وجعل الإنسان سيد الكون وسخر له كل شيء. ]وآتاكم من كل ماسألتموه وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها[.

ولكن الله U أبقى بعض الأمور ليتنبه الإنسان لخالقه، ويتعظ ويعتبر، ولايظن نفسه أنه يملك كل شيء، بل وضع الله U في طريقه أمراً تخيفه، وأشياء ترعبه ليتذكروا المولى، ويستجير به ويستعين به ويستعيذ، فالإنسان تصيبه أحداث مرة من الخارج، ومرة من الداخل.

ففي سورة الفلق نتجه إلى الله ونستعين به في الأمور التي لاإرادة لنا فيها.

وفي سورة الناس نتجه إلى الله ونستعين به في الأمور الداخلية التي تنبع من أنفسنا، ولكننا نخاف أن نضعف أمامها.

]قل أعوذ برب الفلق...[ إن كل الشرور التي نستعيذ بالله منها في هذه السورة تأتي من خارج أنفسنا.

]قل أعوذ برب الفلق[ الاستعاذة هنا: الالتجاء إلى الله سبحانه من كل شيء يفزع الإنسان ويهدد أمنه وأمانه، ولايستطيع أن يواجهه بقدراته، ومن هنا فهو يلجأ إلى الله، لأنه القادر على دفع السوء بقدرة وتفوق قدرة الشر جميعاً.

]من شر ماخلق[ ليتنبه الإنسان إلى أن المسخرات له، ليست بقدرته ولابحيلته، وإنما بقدرة الله لو لم يذللها ماذللت لك ياأيها الإنسان.

تضمنت السورة الاستعاذة من شر المخلوقات، وبخاصة ظلمة الليل، والسواحر والنمامين والحسدة.

فبعد أن عمم الاستعاذة من جميع المخلوقات، خصص بالذكر ثلاث أصناف، تنبيهاً على أنها أعظم الشرور وأهم شيء يستعاذ منه ]ومن شر غاسق إذا وقب[ أعوذ بالله من شر الليل إذا أقبل، لأنه في الليل مخاوف ومخاطر، من سباع البهائم وهوام الأرض وأهل الشر والفسق والفساد.

]ومن شر النفاثات في العقد[ من شر النفوس الخبيثة، ومن شر السواحر، أو النمامين.

]ومن شر حاسد إذا حسد[ من شر كل حاسد إذا حسد، وهو الذي يتمنى زوال النعمة التي أنعم الله بها على المحسود.

أما الغبطة أو المنافسة فهي مباحة، لأنها تمني مثل النعمة مع عدم زوالها عن صاحبها.

قال r: {لاحسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار فسمعه جار له فقال: ليت لي مثل ماأوتي فلان. ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه في سبيل الله، فقال رجل: ليت لي مثل ماأوتي فلان فأعمل مثل ما يعمل}.

إن الحسد أول ذنب عصي الله فيه في السماء، وهو حسد إبليس لآدم، والحسد هو أول ذنب عصي الله به في الأرض، وهو حسد قابيل لهابيل.

والسورة تدل على تعليم الناس كيفية الاستعاذة من كل شر في الدنيا والآخرة.

وقد ورد في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله r يعوذ الحسن والحسين، ويقول: {أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، من كل عين لامة، ويقول: إن أباكما إبراهيم كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق}.

وروى مسلم في صحيحه وأحمد والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر t قال: قال رسول الله r: {ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط ]قل أ‘وذ برب الفلق[ و]قل أعوذ برب الناس[.

وروى أحمد والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر t قال: أمرني رسول الله r أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة.

روى أحمد وأبو داود والنسائي عن عقبة بن عامر t أيضاً قال: بينا أنا أقود برسول الله r في نقب من تلك النقاب إذ قال لي: {باعقبة ألا تركب، قال: فأشفقت أن تكون معصية قال: فنزل رسول الله r وركب هنية ثم ركب ثم قال: ياعُقب ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ قلت: بلى يارسول الله فأقرأني ]قل أعوذ برب الفلق[ ]قل أعوذ برب الناس[ ثم أقيمت الصلاة فتقدم رسول الله فقرأ بهما ثم مر بي فقال: كيف رأيت ياعقب، إقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت}.

وروى البخاري وأهل السنن في الاستشفاء بهذه السور الثلاث عن عائشة رضي الله عنها أن النبي r كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه ثم نفث فيهما، وقرأ فيهما:  ]قل هو الله أحد[ و]قل أعوذ برب الفلق[ و]قل أعوذ برب الناس[ ثم يمسح بهما مااستطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.

وأخرج مالك في الموطأ عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله r كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيدي عليه، رجاء بركتهما.

أجاز العلماء الاستعانة بالأدعية والرُقية، فقد ثبت أن النبي r اشتكى فرقاه جبريل وقال: "بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، والله يشفيك".

وعلمنا النبي r إذا دخل أحدنا على مريض فليدع له: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات.

وعن علي t قال: كان رسول الله r إذا دخل على مريض قال: {أذهب الباس رب الناس، إشف أنت الشافي لاشافي إلا أنت}.

 

عدد القراء : 53